الدين والثقافة
 النمو الاقتصادي والبنية الاجتماعية
  فن الحكم الاستبدادي
 لفائف الجيوسياسة
 أيوجد شيء قابل للتغيير؟

  يحتل لاري ديموند منصب الزميل الأرشد في الهيئة هووفر ومعهد فريمان سبونجي بجامعة صتانفورد كما وهو مدير مركز صتانفورد للدراسات وأبحاث الديموقراطية والتنمية وسيادة القانون. من بين مؤلفاته الكتاب بالعنوان روح الديمقراطية: النضال من أجل بناء المجتمع الحر في جميع أنحاء العالم (2008). إنه مؤسس مجلة الديمقراطية ومحررها المشارك.

خلال "الموجة الثالثة" للتحول الديمقراطي توقفت الديمقراطية عن كونها ظاهرة غربية بكاملها فصارت عالمة. وفي بداية الموجة الثالثة عام 1974 كان عدد الديمقراطيات في العالم  لا يتجاوز سوى 40 ولا إلا عدد بسيط منها كانت تقع خارج العالم الغربي. ثم عند مبادرة نشر مجلة الديمقراطية عام 1990 قد زاد عدد الديمقراطيات الانتخابية ليصل 76 (وهو عبارة عما يقارب نصف الدول المستقلة آنذاك). أما بحلول عام 1995 فقد وصل هذا العدد إلى 117 أي كل ثلاث من خمس دول العالم. ومنذ ذلك الحين بات كتلة حاسمة من الديمقراطيات بالوجود في جميع المناطق الرئيسية من العالم ما عدا منطقة واحدة وهي منطقة الشرق الأوسط. (1) علاوة على ذلك، فكل من الحيزات الثقافية الكبرى في العالم قد أضحت موطنا مضيافا للحضور ديمقراطي الجدي ما عدا ثانيا الاستثناء المنفرد وهو الوطن العربي. (2) وحتى بعد مرور خمسة عشر عاما بعد ذلك الحين فما زال الاستثناء هذا قائما.

أن الغياب المدام حتى لنظام ديمقراطي واحد في الوطن العربي يعتبر انحرافا لافتا للنظر إذ إنه استثناء أصيل إزاء التيار العولمتي للالديمقراطية. ما السبب لفقدان الديمقراطية العربية؟ أو بالفعل ما السبب المتجسد في الواقع أن فما بين الدول العربية المستقلة الستة عشر  في الشرق الأوسط وشمال ايفريقيا الساحلية ينفرد لبنان بأنه الدولة الوحيدة قد كانت ديموقراطية يوما؟

يتكون الافتراض الشائع بشأن عجز الديمقراطية العربية بأنه لا بد من وجود ارتباط له إما مع الدين أو الثقافة. وبالاختصار فالشيء الوحيد المشترك بينها كون هذه الدول عربية. إنهم جمعاء يتحدثون بنفس اللغة (أو على الأقل إلى الحد الذي يشتركون فيه في اللغة الهجينة للغة العربية الفصحى) وكان يفترض مرارا أن هناك معتقدات وهياكل وممارسات ثقافية مشتركة نوعا ما بين جميع الدول في المنطقة. وعلى ذلك، فإنهم يشاركون كذلك في نفس الدين الأعلى وهو الإسلام، على أن لبنان كان تاريخيا يقترب نصف سكانه المسيحية (لكنهم حاليا أقل من نصف سكانه) أما دول غيره مثل مصر فيسكنه كذلك إلى جانب المسلمين أقليات ذات الأهمية من المسيحيين. فمما سأشير إليه يتجلى أنه لا الثقافة ولا الدين هما يعرضان أي تبريرا مقتعا لعجز الديمقراطية العربية. والافتراض الثاني يقول بأن الدول من طراز مصر أو الأردن أو المغرب أو اليمن ليست ديمقراطية على خلفيات أنها متخلفة اقتصاديا إلا أن هذه الحجة باتت فاشلة لو قورنت مستويات النمو الاقتصادي للدول العربية بغير العربية والذي أشير إليه لاحقا. لعل يكمن السبب في الإحراز الاجتمعي السياسي الفاسد الناتج عن كيانها متلاطمة الرواسب البتروكمياوية (والمسمى باللعنة النفطية). لكن ما الطريقة التي يفسر ذلك من خلالها غياب الديمقراطية في مصر والأردن والمغرب والتونس التي كل منها لا تتحظى بالغزارة النفطية إذن؟ 

يتبين من الشرح المطروح لاحق أن مجاوبة الأحجية حول العجز الديمقراطي العربي تستلزم النظر إلى الوضع  الجيوسياسي والاقتصادي السياسي كما تطالب تحليل الهياكل السياسية الداخلية الموظفة في الدول العربية. إلا أنها تقضي أولا الاستغناء عن جميع المبادئ المسلم بها التي لم تعد بعد قادرة على الصمد أمام فعل اختبار الأدلة.

الدين والثقافة

ما أظهره ألفريد ستيبمان وغرايم روبرتصون في هذه الصفحات أنه ثمة "فجوة ديمقراطية" موسعة تميز بين دول العالم إلا أن هذه الفجوة ذات الطابع العربي أكثر منها "مسلمية" الطابع بكثير. فلما قاما بمقارنة الدول الست عشرة ذات أغلبية  المسلمين والتي يغلب عليها العرق العربي مع 29 دول  أخرى ذات أغلبية  المسلمين وجدا ستيبمان وروبرتصون ضمن الثانية أن عددا ليس بقليل منها (بما في ذلك ألبانيل وبنغلاديش وماليزيا والسنغال وتركيا) لها دفتر ذو شأن في صدد التوسيع وبشكل عقلاني لنطاق الحقوق السياسية الديمقراطية لمواطنيها في حين ينفرد لبنان بمثابته البلد الوحيد المستوفي شروط هذا الوصف ضمن الدول العربية وذلك في الفترة ما قبل الحرب الأهلية عام 1975. وعلى ذلك وبالأخذ  في عين الاعتبار مستوى الحقوق السياسية التي يمكن التنبؤ بها على أساس الدخل الفردي وجدا الباحثان عددا لا بأس به من " الدول المتفوقة انتخابيا" من بين الدول ذات أغلبية المسلمين ولا يغلب عليها العرق العربي لكنهما لم أجدا أحدا من بين الدول العربية. (3)

يبين التحليل الأخير الذي بدأته لاحقا النقاط الإضافية التالية: تكون أولها أنه في حالة قمنتا بالبحث في ما إذا تستوفي الأنظمة هذه  الحد الأدنى من معيار الديمقراطية الانتخابية (والذي يتجسد في  الانتخابات الحرة والعادلة عند تعيين شخصية من يحكم) فإن هناك ثمانية دول ذات أغلبية المسلمين حسب بيت الحرية (*) قد فرضت الديمقراطية المعاصرة والصفر منها من بين الدول العربية. (4) وتكون ثانيها أنه ثمة فجوة عظيمة في صدد الحرية (*) ما بين الدول العربية والدول غير العربية ذات أغلبية المسلمين حيث في نهاية عام 2008 سجلت الدول العربية الست عشرة الواقعة في منطقة الشرق الأوسط الإحراز المتوسط ضمن معدلات  بيت الحرية ب 5.53 نقاط (حيث يكون الإحراز الأسوأ ما يعادل 7 نقاط ما يشير إلى "الأقل حرا"). وفي المقابل فسجلت الدول ذات أغلبية المسلمين الثلاثين الإحراز المتوسط في صدد الحرية ب 4.7 نقاط. (5) إن الفرق ما بين مجموعتين كهاتين الذي يعادل نقطة كاملة تقريبا ضمن معدل تم القياس من خلاله عبر نقاط سبع يعد فرقا ملموسا. وعلى ذلك ففي حين تقوم إحدى عشرة من الدول غير العربية (أي ما يساوي ثلثها) في المقام الأوسط (4 نقاط) أو حتى في مقام أفضل حسب المعدل المتوسط للحرية ينفرد الكويت بتسجيل مثل هذا الإحراز المتفوق ضمن الدول العربية كلها.

هذا عن الدين. وماذا عن الثقافة؟ قد يجادل الأحد وعلى سبيل المثال ما أكد عليه المؤرخ البريطاني الرحيل أيلي كيدوري (*) عام 1992 قائلا إنه "لا يوجد شيء ضمن التقليد السياسي في العالم العربي وهي التقاليد السياسية للإسلام قادر على أن يجعل من المألوف أو بالأحرى متجلّة الأفكار التنظيمية للحكومة الدستورية أو التمثيلية" (6). إلا أن خارج العالم العربي ثمة عدد من الدول المعتنقة التقاليد السياسية الإسلامية التي قد كان لديها التجربة الهامة مع الديمقراطية. وحتى لو غفلت معادلة كيدوري بين التقاليد العربية والإسلامية منها فما زالت واقعة الحاجة إلى تقديم تفسير لسبب ترسيخ "الأفكار التنظيمية" الدخيلة الأصل الخاصة بالديمقراطية الحديثة في عدد من الدول في ايفريقيا وآسيا والتي لا مثيل لها ولا تدابير لها تاريخيا بالرغم من عدم ترسيخها في العالم العربي قط. لو كانت المشكلة تكمن كما تابع كيدوري في أن الدول العربية "كانت معتادة على ... الاستبداد والإطاعة الهامدة" فلماذا ظل ذلك حاجزا لا يذلّل في العالم العربي في الوقت أنه لم يكن يعرقل عملية التحول الديمقراطي في آراض شاسعة شتى من دول العالم الأخرى التي بدورها لم تعرف في الماضي سوى الهيمنة المتحكمة؟

على أية حال يمكن القول وهذا يخص كلا العراق ولبنان بأن الطبقية الطائفية والعرقية إنما متأصلة إلى الحد الذي يمنع توليد الديمقراطية في هذين البلدين على أن العراق ولبنان وعلى الرغم من طائفيتهما المتنوعة وفيئاتهما الاستقطابية فهما الدولتين العربيتين اللتين تقترب أشد اقتراب من تحقيق الديمقراطية الانتخابية التامة اليوم مقابل حالة إثنين من أكثر البلدان العربية تجانسا وهما مصر وتونس اللتان ما زالتا أيضا من أكثر البلدان استبدادا. في الواقع فالخلافات العرقية والمذهبية تكاد تهدد التحول الديمقراطي من خلال تعرقل العملية مما هو الحال في البلدان مثل غانا والهند واندونيسيا وجنوب افريقيا إذ يتوضح الاستنتاج بأن ما يسير تكون طبيعته مختلف.

ربما يتمثل السبب في أن الشعوب العربية وببساطة لا تريد ولا تجلل الديمقراطية الانتخابية إلى الحد وبالطريقة التي يبدو أن الجمهور العام يرغب في تشغيل هذا النوع من الحكم الذاتي وجلالته وهذا ما نشهده في أنحاء العالم الأخرى. (7) وعلى ذلك فكيف إذن التفكير إزاء النصيب الساحق من الرأي العام العربي الذي يتجاوز 80% في الجزائر والأردن والكويت والمغرب والسلطة الفلسطينية وحتى العراق ومفاده أن هذا الجمهور يوافق على أن "بالرغم من خللها إلا أن الديمقراطية أفضل نظام للحكم" وكذلك أن "حيز النظام الديمقراطي يعتبر مرغوبا فيه فيما يخص مستقبل البلاد ولها آثار إيجابية له"؟ (8) لا يقتصر الأمر في دعم الديمقراطية الواسعة النطاق في الدول العربية فحسب بل إن نسبة الدعم المقدم لا تتفاوت وفقا لدرجة التدين. "حقيقة أن أكثر المسلمين تدينا هم على نفس الدرجة من الإمان بأن الديمقراطية بالرغم من خللها أفضل نظام سياسي مثلما يكون إيمان أقل المسلمين تدينا." (9) انظر إلى رد فعل العراقيين حين الاقتراع ولغاية ثلاث مرات على التوالي عام 2005 وسط المخاطر الذائعة المرعبة لسلامتهم البدنية حيث يتعذر الاستنتاج بأن العرب لا يهتمون بالديمقراطية. على النقيض من ذلك فإذا سمحت الانتخابات (كما هو الحال بمصر) مجال محجم للاختيار ذي مغزى أو إذا (كما هو الحال بالمغرب) كانت آثارها ضعيقة لا تذكر في تعيين شخصية زعيم الحكم الواقعي فأنه من غير الاستغراب أن معظم الناس صاروا محررين من الوهم ويرجحون على عدم التصويت.

ومع ذلك فيتوارى تحت الأرقام الإجمالية لدعم العرب للديمقراطية قصة أكثر تعقيدا إذ اتفقوا 56% من المستجيبين على أن "رجال الدين يجب أن يكون لديهم نصيب من عملية صنع القرارات الحكومية". هذا وكذلك أوضح استبيان قد جري ما بين عامي 2003 و2004 أن نصفا أو أكثر من جمهور الشعوب العربية الأربعة اتفق على أن الحكومة لا بد لها ألا تنفذ قانونا سوى الشريعة الإسلامية. وفي حالة التراكب بين تفضيل مؤيدي الديمقراطية ومؤيدي شكل من أشكال الحكم الإسلامي فيتمثل الصنف النموذجي في شيء مما يلي: 40% إلى 45% من كل شعب تؤيد الديمقراطية العلمانية في حين تؤيد نفس النسبة تقريبا شكلا من الأشكال الإسلامية للديموقراطية في الوقت الذي تؤيد 5% إلى 10% من الجمهور التسلطية العلمانية ونفس النسبة تؤيد التسلطية الإسلامية.

هذه هي النقطة التي يتداخل فيها الدين مع المواقف المتنوعة بمثابتها عوامل ذات الصلة المتراكبة. إننا لا نعرف بعد وعلى أساس البيانات الآنية التي سردت في بارومتر العرب (*) ما نسبة الذين يرجحون على كلا الديمقراطية والتأثير الإسلامي في الحكومة والذين يساندون فهما للديمقراطية يضم وباعتباره عنصرا ذا المغزى الفهم الذي يتمثل ليس فقط في سيادة الأغلبية بل أيضا في حقوق الأقلية بما في ذلك حق الأقلية في محاولة تكوين الأغلبية في الانتخابات القادمة. والأدلة التي تم بحثها من قبل أماني جمال ومارك تيسلير (*) تشير إلى أن أنصار الديمقراطية العلمانية يختلفون قليلا عن نظرائهم المواطنين الذين يتيحون دعمهم للديمقراطية الإسلامية طالما يتعلق الأمر بالدعم للقيم الديمقراطية من طراز الانفتاح والتسامح والمساواة بالمقارن مع المضمون مفاده أن أنصار الديمقراطية العلمانيين يبدو وكأنهم مؤيدي النزعة الليبرالية طالما يتعلق الأمر بالتسامح العنصري وحقوق المرأة. يتلخص جمال وتيسلير وبالدرجة من الأمل أن العرب يجللون الديمقراطية حتى ولو كانت همهم بالاستقرار يدفعهم إلى تفضيل توليدها إلا بشكل تدريجي وكذلك أنه لا السياسيين المدافعيين عن النزعة الدينية ولا التدين الشخصي يشكلا العقبة الرئيسية أمام تحقيقها.

ولكن ظلت مشكلة ما زالت قائمة. من بين الديمقراطيين العلمانيين في العالم العربي المثقفون الليبراليون والمهنيون ورجال الأعمال من الطبقة المتوسطة بكل أنواعهم الذين جميعا قد ضغطوا ضغطا في سبيل الديمقراطية في بقية أنحاء العالم. إن عددا لا بأس به من هؤلاء الديمقراطيين العلمانيين (وبأخذ في عين الاعتبار أن بعضهم كذلك منتمون إلى الأقليات المذهبية أو العرقية) لم يتم غربلة آراهم في بيانات استبيان بارومتر العرب بشأن ماهية معتقدات مشابهيهم من المواطنين. بدلا من ذلك فهؤلاء الديمقراطيون يتخيلون حول الماهية المتوقعة للبديل السياسي الوشيك للنظام الاستبدادي الذي يبغضونه. إنهم يخشون من كونه غير نسخة إسلامية متواضعة من الديمقراطية الدستورية المصممة وإنما نظاما تهيمن عليه جماعة الإخوان المسلمين المصرية أو جبهة العمل الإسلامي الأردنية أو قوى الإسلام السياسي غيرهما من النوع المتزمت والمعادي للديمقراطية وما ينجم عن ذلك من هيمنة جديدة وأكثر توعدا. علاوة على ذلك فإنهم يخشون من إمكانية إنتاج هذا البديل للإسلام السياسي "شخصا واحدا وصوتا واحدا ومرة متفردة" ما قبل اختطاف الثورة الانتخابية الديمقراطية على غرار اختطاف آية الله الخميني على الثورة الإيرانية عام 1979 أو إما هم يخشون بأن تبذيل الجهد في اللحظة الأخيرة الممكنة يهدف من خلاله إلى منع هذا الاحتمال من التحقيق من شأنه أغراق بلادهم في سيناريوهات أروع شاهدناها في الجزائر عام 1991 عند استيلاء الجيش السطوة ليوقف الجبهة الإسلامية للإنقاذ من الفوز في النتخابات الوطنية مما نتجت عنها الحرب الأهلية التي مضت ما يقارب عشر سنوات وحصدت حيات 000 150 نسمة على أقرب التقارير. لا يستدعي تبرير خيار النخب السياسية والعسكرية الجزائرية في ذلك الحين كما وفي السنوات الوحسية التي لاحقت لإدراك طبيعة الحاجز الواقف أمام التحول الديمقراطي والمتأصل في الخوف من الإسلام السياسي المتطرف باعتباره البديل الدائم في الانتظار والمستعد وراء الستور لكي يبرز جلا لو انهار النظام الحالي. في العقود الأخيرة لم يكن هناك إلا تواز منفرد متواجد في مكان غيره وهو كان يتمثل في الخوف من التولي الانتخابي على يد اليسار المتطرف أو "الشيوعية". وليس من قبيل الصدفة أن في تلك البلدان (وهي الواقعة في  أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا) التي أمسك فيها هذا الخوف الحكام المستبدين كما وبعضا من معارضيهم الليبراليين، فثبت النخب أنهم ليسوا على الاستعداد للتفاوض عل الانتقال إلى الديمقراطية إلا على شرط التبدد التام لليسار المعادي للديمقراطية المهدد على السلطة كنتيجة للقمع الوحشي أو نهاية الحرب الباردة.

النمو الاقتصادي والبنية الاجتماعية

ما زالت الوضعية واقعة حسب تأكيد سيمور مارتين ليبسيت (*) وذلك قبل خمسين سنة قوله بأن كلما يرتفع مستوى المعيشة في بلد ما كلما تزداد الاحتمال له في اكساب الديمقراطية والحفظ عليها. بيد أن وإلى الآن عددا من الدول العربية ثري تماما إذا قُرنت مستويات دخلها الفردي (عام 2007 حسب معادلة القوة الشرائية تساوي الدولار) فيبدو أن الكويت ثري ثروة النرويج والبحرين على قدم المساواة مع فرنسا والمملكة العربية السعودية مع كوريا وعمان مع البرتغال ولبنان مع كوستا ريكا. يتبين أن فقط مصر والأردن والمغرب وسوريا واليمن تقع قرب المستوى الأسفل إلا أن هذه البلدان ليست أفقر من الهند واندونيسيا من حيث نصيبها من الدخل الفردي والتي هي بدورها بلدان توظف فيها الديمقراطية رغم عدم الازدهار الاقتصادي الواسع النطاق.

وبالطبع فإن أرقام الدخل الفردي قد تكون مخدعة إذ توزيع الدخل قد يضحي منحرفا للغاية وهذا بالضبط الواقع في العالم العربي. ومن ثم تبدو أن البلدان المصدرة للنفط وبالأخص ما يتبين على السطح أنها قد وصلت ألى مستوى التقدم أعلى مما هي في الواقع. يتحظى معظمها بمرتبة أسفل بكثير في مجال "التنمية البشرية" مما كان عليها في مجال الدخل النقدي الفردي (وعلى سبيل المثال تحتل المملكة العربية السعودية مرتبة تقع أسفل مما هو عليها ب31 درجة والجزائر ب 19). لكن مع ذلك فلما نظرنا إلى مستويات التنمية البشرية (التي تأخذ بعين الاعتبار التعليم إلى جانب العناية الصحية) فيتجلى أن أغنى البلدان المصدرة للنفط تكون على الأقل على قدم المساواة مع البرتغال والمجر في حين تكون المملكة العربية السعودية مع بلغاريا وبنما حسب هذا المعدل. أما عن فحص حالة الدول العربية الممتلكة قليلا أو غير ممتلكة لأية كميات من النفط للتصدير فنرى أن مصر ما زال يحتل مرتبة مع اندونيسيا أما فيما يخص المغرب فهو مع جنوب إفريقيا. أو بالأحرى من الممكن اكتشاف على شتى مستويات التنمية وحسب المقاييس المتنوعة عددا من الديمقراطيات على وشك احتلال مستوى التقدم المتحقق في الأنظمة غير الديمقراطية العربية على التوالي.

وإن لم تكمن المشكلة في مستوى النمو الاقتصادي فربما هي تكمن في الهيكل الاقتصادي  إذ من الملاحظ أنه من بين الدول العربية الست عشرة تُصنف إحدى عشرة منها على أنها دول "ريعية" بمعنى أنها تعتمد  اعتمادا مكثفا على الريع النفطي أو الغازي (إذ بالاستخلاص على دخل غير مكتسب جهديا)  في السعي لحفاظ دولهم عل متن السفينة. ومن جانب فإن هذه الدول الإحدى عشرة تستمد أكثر من 70% (وفي بعض الحالات أكثر من 90%) من عائداتها من صادراتها النفطية أو الغازية حيث معظمها تجد نفسها مغمورة بالسيولة النقدية إلى الحد أنها لا تحتاج إلى فرض الإضراب على مواطنيها. يتكون ذلك جزءا من المشكلة إذ هذه الدول تفشل في تطوير التوقعات اللامتجزئة على المحاسبة والتي تتجلى بارزة حين تفرض الدولة على المواطنين دفع الضرائب أو كما لاحظ صلميول ب. هنتينغتون (*) في كتابه "الموجة الثالثة": تعود عائدات النفط إلى الدولة وبفعل ذلك تزداد قدرة بيروقراطيتها وما يتم على أساس ذلك أنها تحد من أو حتى تزيل الحاجة إلى فرض الضرائب فإنها كذلك تحد من حاجة الحكومة إلى التوسل إلى إذعان تابعيها للإضراب. وكلما تنخفض مستوى الضرائب تخفف حجة الجمهور إلى مطالبة التمثيل. إن المقولة "لا ضرائب من دون التمثيل" كانت دعوة سياسية في حين تكون "لا تمثيل من دون الضرائب" حقيقة سياسية. (12)

ومن الجانب الآخر فثمة أكثر من ذلك بكثير فيما يخص اللعنة النفطية من مجرد وجود دول واسعة النفوذ مع مواطنيها منغمرين في اللامبالة. حقيقة الأمر تتمتع الدول النفطية ليس بمجرد كونها واسعة النفوذ بل إنها شديدة التمركز كذلك ما دام ترجع الثروة النفطية إلى الدولة المركزية بذاتها. ومع ذلك فإنها تشهد أيضا حضورا مكثفا للشرطة عموما وذلك ما دام تتمتع بغزارة الأموال المنفقة بالسخاء على جهاز هائل ونشط للأمن الحكومي. إنها مفرطة الفساد ما دام تصب الأموال إلى خزائن الدولة المركزية في شكل الريع الذي في الحقيقة بمثابة "أموال لا مالك لها" (وعلى الأقل فهي ليست بأموال دافعي الضرائب) فتعد الأموال هذه وهذا في معناه المعياري المشوه طليقة للامتلاك عليها. تكون الدولة في هذه الأنظمة واسعة النفوذ ومتمركزة إلى جانب أنها تميل إلى القمع. إنها قد تدعم عددا عشوائيا من البيروقراطيات المنتفخة لما تهدف برامج التوظيف المهني فعلا إلى شراء الأمن السياسي عن طريق شيكات أجر العمل الحكومي. يكون المجتمع المدني ضعيفا ومندمجا ويكون ما تم توجيهه نحو منحى سوق الاقتصاد معوجا للغاية. أخيرا، تكون نزعة المبادرة المتعهدة الحقيقية تكاد تحرز في الوجود لأن معظم الناس المشغولين في مجال "الأعمال" يُوظفون لصالح الحكومة أو قطاعها النفطي أو هم مرتبطون بها بطرق أخرى حيث يتغذون العقود الحكومية أو يمثلون الشركات الأجنبية الوكيلة.

وطالما يهيمن النفط هيمنه تاما يتجزم ميدان تطوير الثورة وخلقها من خلال الاستثمار والاتخاذ بالمخاطر فلماذا المجازفة إنْ كانت الأرباح ثابتة الكسب من دون أي خطر؟ ومن ثم ،هناك أبعاد شارسة أخرى ل"مفارقة الوفرة" مثل دورات الازدهار والكساد التي تزاوج الاعتماد على السلع الأولية فضلا عن الميل الأكثر جماعية إلى كسب الريع المعدني المفاجئ من أجل تمليس أو اكتساب الأولوية في تطوير الصناعة أو الزراعة (والمسمى بالمرض الهولندي). ولم يتم تجنب هذه العاقبات سوى على شرط تواجد كل من اقتصادات السوق الجبارة والمتطورة بشكل جيد إلى جانب وجود إمكانية محاسبة الدولة وتوظيف نظام فرض الضرائب الفعال قبل طوفان العائدات النفطية إليها (كما هو الحال في النرويج وبريطانيا). (13)

وهناك إذن أسس اقتصادية لغياب الديمقراطية في العالم العربي على أنها هيكلية الطبع ولديها علاقة نوعا ما مع الطرق التي يشوه من خلالها كل من الدولة والسوق والبنية الطبقية وهيكل الحوافز بكامله. هذا وتعد وخصوصا في عصر الأسعار النفطية العالمية العليا آثار اللعنة النفطية قاسية: من بين البلدان ال23 التي تستمد معظم عائداتها من صادراتها النفطية والغازية لا واحدة منها تكون ديمقراطية إلى يومنا هذا. على أية حال فلن ترفع اللعنة النفطية من فوق عدد كبير من البلدان العربية في وقت قريب: ما دام يكون الشرق الأوسط العربي موطنا لخمس من الدول التسع ذات أكبر الاحتياطيات النفطية وخمسها مجتمعة تحوز ما يجاوز 46% من الاحتياطيات العالمية المدلل عليها.

فن الحكم الاستبدادي

يكون إثنتين من الركائز المحورية للنظام الاستبدادي العربي سياسية الطابع و تشملا النماذج والهياكل التي من خلالها تدور الأنظمة الاستبدادية سياساتها وتقوم بالحفاظ على سيطرتها على السطوة برفقة القوى الخارجية المساعدة لها في الاحتفاظ بالحكم. لعل هذه الهياكل والممارسات الاستبدادية ليست فريدة من نوعها في العالم العربي إلا أن الحكام العرب قد قاموا باقترابها إلى ذروة التنقية وقاموا باستخدامها ببراعة استثنائية. وعلى الرغم من أن الدولة العربية النموذجية قد لا تكون فعالة في سبل الحياة اليومية إلا أن مخابراتها (الشرطة السرة وجهازها للمخابرات) تتمتع عادة ما بكافة التمويل ونتيجة لذلك تكون متطورة تكنولوجيا إلى جانب قدرتها غير المحددة للاختراق المرافقة بعدم تقييدها قانونيا كما أنها متزنة عجيبا للاستفادة من التعاون الواسع مع المؤسسات المتشابهة لها في كلا من المنطقة المحلية ووكالات الاستخبارات الغربية. وعلى نطاق أوسع ف"توصف هذه الدول بأنها رواد الدنيا من حيث نسبتها من الناتج الوطني الإجمالي المنفق على الأمن." (15)

وعلى النقيض من ذلك فلا يعتمد معظم الأنظمة الاستبدادية العربية على الروع والاضطرار الكامل في سبيل البقاء. في الحقيقة يكون القمع حسن الانتقائية ومفرطا في الاختلاط مع (وبالتالي غالبا ما مكتتما ب) آليات التمثيل والتشاور والاستحواذ. وفي هذه الرؤية تقوم الانتخابات التعددية المحدودة بدور هام في حوالي نصف الأنظمة الاستبدادية العربية الستة عشر. هذا وسرد تحت قلم دانييل برومبيرغ (*) قبل سبع سنين كما يلي:

إن الأوتوقراطية المتحررة قد أثبتت قدرتها على الدوامة بشكل يتعدى التوقعات يوما. وبالمثل فإن العلامة المسجلة المتجسدة في الخليط بين التعددية المرشدة والانتخابات المحكمة عليها والقمع الانتقائي الموظف في كل من مصر والأردن والمغرب والجزائر والكويت لا يعد "استراتيجية للبقاء" فحسب والتي اعتمدتها الأنظمة الأوتوقراطية فيها وإنما هي نسق من أنساق النظم السياسية التي تتحدى كل من مؤسساتها وحكمها ومنطقها أية نموذج تخطيطية للتحول الديمقراطي الصريح. (16)

وفي الواقع لا يتصف حتى التحرر الليبرالي في مثل هذه النظم بمساره التخطيطي بل بمساره الدوري والتكيفي حيث يتم تخفيف القيود من قبل النظام شرط تصاعد الضغوط سواء من داخل المجتمع أومن خارجها والسماح بالمزيد من النشاط المدني والانفتاح الأوسع في الساحة الانتخابية وذلك إلى أن بينت المعارضة السياسية على أنها قادرة على النمو الفعال الجدي فمن ثم يسعى النظام إلى استعادة أساليبها الظالمة من باب الانتخابات المجهزة فتقليص الحيز السياسي والقاء القبض على المشتبه بهم المعتاد عليهم. وبالتالي تتمثل الساحة الانتخابية في هذه الدول فيما يشبه زوج ضخم من الرئتين السياسيتين اللتين يقومتان بالتنفس (وفي بعض الأحيان تكون تنفسا عميقا ومتهللا) فيتوتعتان ولكل بعد ذلك ومن دون محالة يزافرتان ويُضيقتان عند بلوغ حدودهما.

يعُد خير مثال لهذه الدينامية المسار السياسي المنتهج به  في مصر في عامي 2004 و2005 حين أتى المستبد المتشيخ الرئيس حسني مبارك تحت الضغوط الداخلي المتزايد على يد الائتلاف المعارض له المتمتع بالشعبية العريضة الغائقة والمعروفة باسم كفاية (ومعناه "ما يكفي" والذي لخص وبالاختصار مزاج البلد) من جهة ومن قبل الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الذي كان بدوره يدفعه إلى إجراء الانتخابات الئاسية والتشريعية بشكل أكثر انفتاحا وتنافسيا من جهة أخرى. فوافق الرئيس مبارك على السماح بالانتخابات الرئاسية ذات روح التنافس المتابعة بالانتخابات التشريعية الأكثر شفافا في عام 2005. لكن كانت المسابقة الرئاسية لا تزال بالغة الجور مما نجم عنه وفي غضون ثلاثة أشهر من التصويت (حيث ادعت الأرقام الناشرة رسميا بأن الفائز بها هو الآخر الرئيس الحالي وذلك بالنسبة 88.6%) الحكم على خصم الرئيس مبارك السيد أيمن نور بالسجن لخمس سنوات. ومنذ ذلك الحين قد تدخل النظام مرارا في الجولتين الثانية والثالثة من الانتخابات البرلمانية لتقويض الإدارة المستقلة للاقتراع وتحييد مراقبي المجتمع المدني فوقف وتيرة انتصارات المعارضة لمرشحي الإخوان المسلمين الذين كانوا يخوضون السباق الانتخابي بمثابتهم "المستقلين الشرعيين". ولم يمض وقت طويل بعد الوضعية حين بادر الحزب الحاكم بحملتها الهادفة إلى "الإصلاح" الدستوري على أرضية توفيرالضمان ضد أية "حوادث" سياسية محتملة الوقوع في المستقبل طالما كانت المعارضة الفاقدة معنوياتها والمقسمة المضعفة إثر الاعتقالات والترهيب تتفرج عاجزة ومغيبة التوقعات بالدعم الملموس الموعد من قبل إدارة الرئيس بوش. كانت المناورة المؤسسية جزءا لا يتجزأ من القلب العربي العام "للإصلاح المدبّر" الذي قد تعتمد فيه الأنظمة الاستبدادية العربية لغة الإصلاح السياسي من أجل تفادي مواجهة الواقعية أو لاعتناق برامج الإصلاح الاقتصادي أو الاجتماعي المحدودة في سبيل تحقيق التحديث دون التحول الديمقراطي. (17)

وبالمثل فإلى الدرجة التي تم التسامح للتعددية والمنافسة السياسية فيه في ظل هذه الأنظمة العربية (التي تشمل الجزائر والأردن والكويت والمغرب بجانب مصر) فتكمن ضمن القواعد والمعايير التي تم تجهيزها للضمان بأن معارضي النظام تم حرمانهم من الميزة الفائدة والسلطة. إن الممارسات الانتخابية (مثل استخدام الصوت الفريد اللامتناقل أو ما يسمى ب(*) تم خيارها وتمييلها من وراء السعي إلى امتياز الروابط الشخصية والمرشحي ذوي الخلفية القبلية على الأحزاب المنظمة سياسيا وبالأخص هذه منها التي لا توصف بالإسلامية السياسية. ومن هنا فالبرلمانات التي نتجت عن مثل هذه الانتخابات المحدودة لا تمتلك القوة الحقيقية للحكم أو التشريع على أرضية أن سطوة غير محددة نوعا ما لا تزال قائمة في أيدي ملوك مسيطرين وراثيا أو رؤساء الدولة تحكم على أنها إمبراطورية.

على الرغم من ذلك فالأحزاب المعارضة تواجه تكاليف خطيرة إما ما إذا كانت تقاطع شبه الحزورات هذه أو إما كانت تشارك فيها على السواء. ففي حالة مشاركة أنصار المعارضة في الانتخابات والبرلمان فإنهم يقابلون خطر تحويل أنفسهم إلى مستحوذين أو على الأقل يواجهون خطر اعتبارهم على أنهم مستحوذين من قبل الناخبين الساخرين والمحاطمين الأمال. وبالعكس تكون نصيبها في حالة مقاطعة "اللعبة الدائرة في الداخل" للسياسة الانتخابية والبرلمانية  حيث سوف توفر "اللعبة الدائرة في الخارج" والمتمثلة في الاحتجاج والمقاومة إلا حجما بسيطا من الاحتمال الواقعي للنفوذ المرغوب فيه ناهيك عن القوة. إن القبض على أنصار المعارضة في العالم العربي على قرون هذه المآزق يجعلهم منقسمين ومفعمين بالشك إلى جانب مزقهم الضمني إذ إنهم عرضة اللعن إذا بادروا وكذلك إذا لم يبادرا بذلك. حتى الإسلامويين في لبنان على غرار مصر والكويت والمغرب تم تجزيئهم إلى فيئات مختلفة حسب تأييدهم لنزعة المعتدلين أو المتشددين المسلحين (كما ولنزعات تكتيكية وفصائلية أخرى). هذا وتقوم أحزاب الإسلام السياسي التي تقع وبعزم خارج النظام الحاكم باكتساب الساحة الطويلة المدى من الدعم الشعبي عن طريق العمل على البناء التأسسي لشبكات الرعاية الإجتماعية وتقوية العلاقات الدينية والأيديولوجية من عامة الشعب. وعلى النقيض من ذلك تبدو الأحزاب العلمانية :انها هامشية أعرج وسقيمة. "إن هذه الأحزاب باعتبارها منمسكة بين الأنظمة التي تسمح لها محدودية تكوين الساحة القانونية .... والحركات الإسلامية التي بوضوح تام في صعودها ... تناضل من أجل اكتساب النفوذ والأهمية وحتى في بعض الأحيان من أجل البقاء." (19)

لفائف الجيوسياسة

لعل الوضع الجيوسياسي غير المؤاتي الذي يجابه الديمقراطية العربية يتخطى بكثيرعنصر النفط باعتباره العامل الساحق على الرغم من أن النفط يولد غالبية اهتمامات الدول العظمى نحو المنطقة. أضف إلى ذلك أن الدعم الخارجي للأنظمة العربية القادم تاريخيا من قبل الاتحاد السوفييتي يوما وأوروبا والولايات المتحدة اليوم أساسا يصب في الأنظمة الأوتوقراطية ذات الشأن إلى جانب التأييد الأمني والشرعية السياسية. وفي هذا السياق تحل المساعدة المالية الخارجية محل النفط بالنسبة للأنظمة غير النفطية مثل مصر والأردن والمغرب فإنها تعد مصدرا بديلا للريع ما تستخدمه الأنظمة في سبيل البقاء لا غير. وعلى غرار النفط تتدفق المعونة إلى الخزائن المركزية للدولة وتساعدها في توفير الوسائل للاستحواذ والقمع على حد سواء. قد بلغت حجم معونة الولايات المتحدة "للتنمية" الموجهة إلى مصر منذ عام 1975 ما يتجاوز 28 مليار دولار وهذا المبلغ لا يشمل ما يقارب 50 مليار دولار من المساعدات العسكرية التي قد تدفقت نحو هذا البلد دون قيد أو شرط وذلك منذ عام 1978 أي عقب عقد كامب ديفيد للسلام. ومن الملاحظ أن ثمة تدفق هائل من الإعانة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية تتمتع بقدر أقل من الشهرة وسط الجمهور وهي موجهة نحو الأردن حيث لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن عدد سكان هذا البلد أقل بشكل ملحوظ منه بمصر فبرعت فيما يقدر ب650 مايون دولار سنويا منذ عام 2001. "إن المعونات الغربية تجعل من الممكن تنفيذ الاستراتيجية السياسية المحورية للنظام من الأنفاق بالسخاء على التوظيف في الجهاز الحكومي وذلك من دون فرض أية ضرائب حادة. فمنذ عام 2001 إلى 2006 تقدر المعانات الخارجية التي دمها الأردن ما يساوي 27% من جميع إيراداتها المحلية." (21)

هناك عاملين خارجيين آخرين يعززان بشكل إضافي الهيمنة الداخلية للأنظمة الاستبدادية العربية. أولهما الصراع العربي الإسرائيلي الذي يعلق مثل أبخرة سامة فوق الحياة السياسية في الشرق الأوسط بكامله. إن هذا الصراع يوفر آدوات قابلة للاستعمال في متناول اليد لإلهاء الاحباط العام بعيدا عن الفساد وانتحاكات حقوق الإنسان القاسية التي تستغلها الأنظمة العربية ومن ثم تحريض غضب المواطنين إلى الخارج عبر التركيز الاصتطناعي على ما تتباهى عنه الإعلام الخاص والحكومي على حد سواء وبشكل انفعالي ومفاده أن قمع الاسرائيليين للفلسطينيين وعن طريق بسط الاتساع الرمزي يطوق الشعوب العربية الآخرى بكاملها. على أية حال فالاحتجاجات إزاء قصور الأنظمة العربية ذاتها وما تحتويه من الخدمات الاجتماعية المزاوجة بندرة التعليم وجدواهما السيء إلى جانب انعدام فرص العمل وفقدان كل من الشفافية والمحاسبة والحريات الشخصية تم تحريمها في الحين أن الرأي العام يمكن التنفيس عن استيائه في الصحف والشوارع اشواعيا ضمن الساحة الوحيدة الآمنة وهي إدانة الإسرائيل.

وأخيرا يتكون العامل الخارجي الثاني ذو الشأن في الموضوع في الدول العربية الأخرى بذاتها حيث تقوم بالترسيخ المتكرر بعضها البعض في استبداديتها وتقنياتها للمراقبة والتزوير والقمع والتي بدورها نجحت على مدى العقود الماضية في تحويل جامعة الدول العربية بأعضائها ال22 إلى نادي المستبدين الحكام غير الاعتذاري. فمن بين جميع المنظمات الإقليمية الرئيسية تكون جامعة الدول العربية مجردة من المعايير الديمقراطية ووسائل نهوضها فتحفيزها أشد فجوعة.  إن ميثاقها الذي لم يعدل في غضون نصف القرن الماضي يفتقر تماما إلى أية إشارة إلى الديمقراطية أو حقوق المرء. وأبعد من ذلك فيقع غياب مهما كانت من الأمثولة الواضحة للديمقراطية العربية مما معناه أنه لا وجود لمصدر لانتشار الديمقراطية أو حتى المضاهاة لها في أية بقعة من بقع داخل العالم العربي بل وحتى في عصر العولمة ورد رسالته أن: على مدى الموجة الثالثة بكاملها كانت آثار المظاهرة "أقوى الشدة ضمن الدول التي تتمتع بكيان حضاري متماسك وبالقرابة الجغرافية المماثلة".

أيوجد شيء قابل للتغيير؟

أيكون العالم العربي مدانا لمدة غير محددة في المستقبل بالحكم المستبد أساسا؟ لا أعتقد ذلك. وهذا لأن حتى مؤشرات التغيير في السياسة الخارجية الامريكية خلال السنوات ما بين 2003 و2005 قد شجعت الانفتاح السياسي أو على أقل تقرير فهي وفرت ساحة للتعبئة الشعبية الديمقراطية في عدد من البلدان منها مصر ولبنان والمغرب فضلا عن السلطة الفلسطينية. وبالرغم من أن معظم هذه الفرص قد أغلقت بشكل جزئي أو كليا في الوقت الحاضر فعلى الأقل فتحت الإمكانية لبزوغ المعارضة العربية والمجتمعات المدنية لتذوق ما من شأن السياسة الديمقراطية الاتسام به. وتشير نتائج استبيانات الرأي العام إلى أنهم وبوضوح خالص يريدون عددا أكبر من الأدوات الجديدة على صعيد الوسائل الإعلامية الاجتماعية من طراز فيسبوك والتغريد ومجال المدونات وثورة الهواتف النقال التي تتيح للعرب فرصا جديدة تماما للتعبير عن أنفسهم كما وللتعبئة.

ثمة ثلاثة عوامل من شأنها تعجيل التغيير الديمقراطي ضمن أنحاء المنطقة. قد يتمثل أولها في بزوغ كيان سياسي ديمقراطي موحد في المنطقة وبالتحديد في بلد من البلدان التي قد تعتبر على أنه مرغوب فيه النهج على منواله. ففي رأي سوف يتعذر على لبنان القيام بهذا الدور نظرا لفصائله المفرطة في التعقيد والتسرذم الطوائفي للقوة فضلا عن التداخل المكثف المستمر لسوريا في شؤونه السياسية. لكن على شرط إرتقاء العراق في الساحة السياسية أولا من خلال الاقتراع الديمقراطي لحكومته الجديدة هذه السنة ومن ثم توظيفها باحتشام وبشكل سلمي وذلك بعد انسحاب القوات الأمريكية منها فيكون من شأنه تغيير التفكير المعتنق به في المنطقة بالتدريج. يظل مصر يتحمل الفرجة حيث يقترب وببطء من غروب شمس الحكم الشخصي لحسني مبارك المسن 81 عاما الذي قد استمر لمدة ثلاث عقود. ما إذا خلفه ابنه عمره 46 عاما أو لا فمن المتوقع أن نظامه سوف يمر بهزات شديدة ويقع عرضة لمطالبات التكيف مع الوضعية الحالية ما بعد غروب نجمة هذا الفرعون المعاصر.

وثانيها قد يتمثل في تغيير جذري نوعا ما في مسيرة سياسة الولايات المتحدة إزاء استئناف عهده الرئيسي فتقديم المزيد من المساعدات العملية لتحفيز الإصلاحات الديمقراطية والضغوط في سبيلها لا في مجال الانتخابات فحسب بل فيما يتعلق بتعزيز استقلالية القضاء وشفافية عمل الحكومة فضلا عن توسيع نطاق حريات الصحافة والمجتمع المدني.

وأنْ تم متابعة كل ذلك عن طريق المخاطبة بالنبرة المتواضعة إلى جانب مبادرة تعزيز هذه التدابير إلى حد ما بواسطة الضغط الأوروبي فهذا كله من شأنه المساهمة في تجديد القوى السياسية العاملة داخل البلاد والتي تكون حاليا في حالة من الفوضى والاحباط ومن ثم لحمايتها. لكن من أجل متابعة هذا الطريق قدما لا بد للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين من التغلب على وجهة نظرهم غير المتمايزي تجاه الأحزاب الإسلاموية والتعهد بالترابط مع هؤلاء من الفاعلين الإسلامويين الذين على الاستعداد الجاد لانغماس المتزايد في القواعد المعيارية للديمقراطية الليبرالية.

لكن اللاعب القادر على تغيير اللعبة أشد تغيير قد يتمثل في الانخفاض الحاد المتأجل في أسعار النفط العالمية (وعلى سبيل المثال في حدود نصف قمتها الحالية) فحتى وإنْ بقي أصغر المملكات الخليجية الصادرة للنفط غنيا مهما كانت الثمن الممكن تخيله فالدول الأكبر من بينها مثل المملكة العربية السعودية (حيث بلغ عدد سكانها 29 مليون نسمة) قد تجد من الضروري طرح المناقشة حول الصفقة السياسية الجديدة مع الجماهير (الصغيرة جدا في السن) الخاصة بها والقادرة بدورها على التبرعم. ومن ثم فالجزائر وإيران قد يجدا أنفسهما متعرضا لضغوط أكبر من المذكور آنفا فعلى الرغم من أن إيران ليس بدولة عربية فلديه الأقلية العربية ولا يجوز أن نقلل من التأثير الرائع على آفاق الديمقراطية العربية المحملة في التحول الديمقراطي الجاري في بلاد من البلدان ذات النفوذ الأقوى في الشرق الأوسط والتي تتضمن كذلك الأمثلة المنفردة في المنطقة للازدهار المكتمل لنظام الإسلام السياسي. فعند النظر إلى ما حدث مع الديمقراطية في نيجيريا وروسيا وفنزويلا نتيجة لارتفع أسعار النفط في السنوات الأخيرة فتصبح من الحتمية سياسيا في سبيل انخفاض أسعار النفط أشد إلزاما. على أية حال فبعد ما مضى وقت ليس بالطويل فتسارع تغيرات المناخ من المرجح أن ينجم عنها رد فعل لهذا التحدي أكثر جذريا. وعندما تضرب الثورة العالمية في مجال تكنولوجية الطاقة وبكامل قدرتها بحيث كسب الاحتكار النفطي بوجه نهائي فسيؤدي ذلك إلى وضع اختتام للاستثنائية السياسية للأنظمة العربية.

ترجمة من الانجليزية: مايا إيفانوفا

 


Comments




Leave a Reply