محتويات:
1.المقدمة
2.تعريف الهوية وتحديدها
- تعريف بناء الهوية الذاتية  
- فئات الشباب وتنوع قضايا الهوية
3. الأسرة الخليجية
- لمحة سريعة عن تحولات الأسر العربية الخليجية
- أنماط العلاقات الزوجية وآثارها على الأبناء
4. قضايا الشباب والمستقبل
- التعليم والعمل
- الشباب وقضايا العمل
5. تحديات العولمة
- الشباب الخليجي وقضايا الهوية: ما بين الانفعال والفعل
- هوية الشباب ما بين الأصالة والعولمة والأصولية
- واقع الكيانات الاجتماعية الصغرى
6. الاتجاهات السياسية لطلبة جامعة الكويت
المقدمة*:
تشكل مسألة الانتماء واحدة من الإشكاليات الكبرى التي تدخل في نسيج الفكر السياسي العربي المعاصر، وتتزايد اليوم أهمية هذه الإشكالية وخطورتها تحت تأثير الزحف الواسع والمتسارع لمظاهر العولمة الثقافية التي تهدد منطلقات الهوية القومية والوطنية للشعوب والمجتمعات الإنسانية المعاصرة. فالشباب العربي المعاصر يعيش في ظل كيانات اجتماعية متعددة ومتعارضة، تبدأ بالقبيلة وتمر بالطائفة وتنتهي بالوطن، إنه ‏بالأحرى "يعيش في كيان مركب معقد، تتداخل فيه عناصر الولاءات المحلية ‏بالولاءات الوطنية، ولا تتطابق فيه حدود الجغرافيا مع حدود المشاعر، ولا حدود السياسة مع حدود الأمة"[1] ومن ثم فإن تعددية الانتماء وتناقضاته تؤدي إلى حالة من الانشطار في الهوية الاجتماعية، وإلى حالة من التمزق الوجداني الداخلي عند الشباب العربي. ‏وتأخذ قضية الانتماء في المجتمع الكويتي أهمية خاصة، لما ينطوي عليه هذا المجتمع من خصوصية، تترامى في داخلها شبكة من التحديات التاريخية، التي تتمثل في أنساق من الانتماءات والولاءات الاجتماعية والسياسية المتضاربة.
يؤكد الانتماء حضور مجموعة متكاملة من الأفكار والقيم والأعراف والتقاليد التي تتغلغل في أعماق الفرد فيحيا بها وتحيا به، حتى تتحول إلى وجود غير محسوس، كأنه الهواء يتنفسه وهو لا يراه[2]. يشكل الانتماء جذر الهوية الاجتماعية ونصب الكينونة الاجتماعية. فالانتماء هو إجابة عن سؤال الهوية في صيغة من نحن؟ ويميل الباحثون في مجال علم الاجتماع إلى تحديد الانتماء الاجتماعي للفرد وفقا لمعيارين أساسيين متكاملين هما: العامل الثقافي الذاتي الذي يأخذ صورة الولاء لجماعة معينة أو عقيدة محددة، ثم العامل الموضوعي الذي يتمثل في معطيات الواقع الاجتماعي الذي يحيط بالفرد أي الانتماء الفعلي للفرد أو الجماعة، فالولاء حالة "دمج بين الذات الفردية في ذات أوسع منها، وأشمل، ليصبح الفرد بهذا الدمج جزءا من أسرة أو من جماعة، أو من أمة، أو من الإنسانية جمعاء"[3]. ‏وفي هذا السياق يمكن التمييز أيضا بين الانتماء وشعور الانتماء، فالانتماء هو حالة موضوعية يفرضها واقع الحال، كأن ينتمي الإنسان إلى قومية معينة كالقومية العربية. فمن يتكلم العربية ويعيش على أرض العرب فهو عربي بالضرورة، ولا يمكنه الخروج من دائرة هذه الهوية. أما شعور الانتماء فقد يتطابق مع البعد الموضوعي للانتماء وقد يخالفه أو يتناقض معه. فالعربي الذي يتكلم العربية، ويعيش على أرض العرب قد تأخذه مشاعر الانتماء إلى العروبة حبا وافتداء واقتداء، وخلاف ذلك قد تغيب لديه هذه المشاعر، وتضعف لديه روابط العروبة وأحاسيسها، فتحدث المفارقة بين واقع الانتماء ومشاعره.
إن الشباب العربي اليوم تتخطفه مجموعة من مشاعر الانتماء كالعروبة والإسلام والقبيلة والطائفة والوطن، وإزاء هذه التعددية قد يقع في صراع الهوية والانتماء: لأن بعض هذه الانتماءات يعارض بعضها الآخر كالتعارض بين انتماء القبيلة وانتماء الوطن. ومن هذه الزاوية يمكننا تحديد نسق الانتماء في صورة متكاملة بدءا بالوطن، وانتهاء بالإسلام حيث قد يعلن الأحد أنه كويتي، عربي، مسلم، أو أن يضيف إلى هذه الأبعاد الثلاثة أبعاد أخرى كالانتماء إلى العقيدة والمذهب والقبيلة وغيرها. ‏وانطلاقا من هذه الإشكالية فإن درجة الشعور بالانتماء قد تأخذ مسارات متباينة، حيث تتباين درجات شدتها بين شخص وآخر، وهذا يعني أنه يمكن تحديد سلم انتماء كل فرد وفقا لأولوية انتماءاته، فقد يشعر الإنسان بعروبته أولا ودينه ثانيا وقبيلته ثالثا وطائفته رابعا ووطنه في ‏الدرجة الخامسة.
‏‏لقد شكلت التحولات السياسية والاجتماعية منطلق التحولات القيمية والاجتماعية الحادثة، فالتغير الاجتماعي الذي يعد جزءا رئيسيا من تحديات العولمة، ينعكس في صورة تغيرات قيمية تتناسب مع طبيعة التغيرات الحاصلة. واذا كانت المنطقة العربية شهدت وتشهد تحولات سياسية واجتماعية عميقة، فإن السؤال السوسيولوجي الذي يطرح نفسه هو كيف تنعكس هذه التغيرات في منظومة القيم الثقافية والاجتماعية السائدة؟
يصف خلدون النقيب هذه القضية ويحلل مضامينها السوسيولوجية في دراسة له حول الثورة الصامتة حيث يقول: "إن الجيل الذي يعيش في ظل هذه الثورة الصامتة (التغيرات القيمية في المجتمع) يخضع إلى تأثيرات متناقضة، (...) وهذا الجيل أحسن تعليما وأوسع أفقا، ولكنه فقد الثقة في الدولة القومية المبنية على فكرة الأمة ذات الخصائص المشتركة، ولذلك فهو يوظف تعليمه في إذكاء النعرات القبلية والطائفية، (...) وفي الوقت الذي تتملك هذا الجيل نزعة التحدي للنخبة المهيمنة والحاكمة، يأخذ التمرد شكل التطرف الديني أوالرقص في الديسكو،أو الغضب من اختلاس المال العام مع معرفة أن الاختلاس هو الطريقة الوحيدة للثروة بسرعة بدون جهد أو تعب"[4]. تضرب القيم جذورها عميقا في الثقافة وليس من السهل دائما تبديد القيم والقناعات القديمة وغرس القيم الجديدة من باب الفردية والقيم المادية والمصلحة الشخصية والاهتمام بالذات. وقد خلق ذلك إحساسا بالفراغ والغربة والقلق والانحراف عن معايير المجتمع وقيمه. لقد لاحظ دوركهايم إبان التغيرات الكبرى وجود مجتمعات أطلق عليها اصطلاح anomie‏أي مجتمعات من غير قيم، فيصبح الأفراد موزعين بين نوعين مختلفين من القيم مما يؤدي ببعضهم إلى حالة لا يتمسكون فيها بأي نوع من القيم[5]. ففي الوقت الذي تعتز فيه شرائح اجتماعية بوجودها القومي، تعتز شرائح أخرى بهويتها الإسلامية، وخلاف ذلك كله هناك من يعتز بهويته الوطنية ويرفع لواءها، وفي غمرة هذه التباينات هناك من يرفع من انتمائه للقبيلة أو الطائفة شعارا لوجوده. وفي لجّة هذه المشاعر هفاك من يختلط عليه الأمر فلا يعرف كيف يحدد أولوياته واتجاهاته، فقد يكون عربيا تارة ومسلمان تارة أخرى، ابن القبيلة مرة وابن الطائفة مرة أخرى. ابن الوطن حينا وابن العروبة أحيانا. الكويتي هذا وذاك، أو لا هذا ولا ذاك على الإطلاق، مسألة شائكة مركبة معقدة تلك هي قضية الانتماء، ويمكن لنا من أجل توضيح المواقف والنقاط المهمة للإجابة عن هذا السؤال بواسطة طرح نسق الانتماءات الاجتماعية وأولوياته عند أفراد المجتمع الكوتي.
تتركز مهمة هذا البحث في تشخيس مكونات القيم والقواعد التقليدية المتواجدة في المجتمع الكويتي المعاصر مما يمنحنا الفرصة للتأويل المتواضع لبعض خصائص هذا المجتمع وشريحة الشباب منه تحديدا.  حيث يتمثل جوهر البحث في دراسة الهوية الحضارية/الثقافية للشباب الكوتي المعاصر يتواجب علينا استعراض بعض المعلومات للعمادة الأساسية للمجتمع وهي الأسرة، ثم نقف قليلا عند تعريض عدة من تحديات المستقبل المكمنة وراء مظاهر العولمة المعروفة لكي ننتقل بعد ذلك إلى طرح بعض قضايا التعليم والعمل وفي نهاية البحث نستعرض نتائج الاستبيانين المختصتين في دراسة قضية الشباب الكويتي لكي نتعرف على نسق انتمائه الاجتماعي وأولوياته، كما أنه سوف يسلط هذا البحث الضوء على الاتجاهات السياسية لطلبة جامعة الكويت هدفا منه إلى توضيح قدر الأمكان صفات الهوية الحضارية للشباب الكويتي المعاصر.

تعريف الهوية وتحديدها*
بناء الهوية الذاتية
يميز وفقى حامد أبو علي (2003‏)[6]، بناء ‏للأدبيات في الموضوع ما بين الهوية الشخصية والهوية الحضارية. أما الهوية ‏الشخصية فتمثل إحساس الموء بأنه هو... هو، وأنه مشابه لنفسه في هذا الزمان وهذا المكان، في الحاضر والماضي والمستقبل. إنها صورة ذاتية معقدة تتطور خلال التنشئة والتفاعل الاجتماعي. وينطوي تكوين الهوية على الإحساس باستمرار الكيان النفسي الذاتي، إضافة إلى استمرارية الانتماء والتماهي بالكيان الاجتماعي. إنها باختصار تماهي الشخص مع صورة ذاته بطابعها المستقرّ ‏والمستمر نسبيا، رغم التحوّلات التي تطرأ على مفهوم الذات هذا، مع التقدم في مجال بناء مشروع الوجود وانجازاته. ‏أما البعد الثاني فيتمثل في قيمة الهوية، أو قيمة محتوى الهوية ومكوناته وعناصره ومكانة الشخص. ويقوم الإنسان عادة بتقويم هويته ما بين جوانب إيجابية يعتزّ بها ويعتبرها موطن قوّته الذاتية، وجوانب سلبية أو قصور توّلد الضيق والصراع الذي قد يصل حد رفض الذات .
‏محتوى الهوية لا يولد صراعا ولا أزمة هوية، إنما تنشأ هذه الأزمة عن تقويم الهوية وخصائصها ومكانتها، سواء على المستوى الذاتي أم على المستوى الاجتماعي العام. أزمة الهوية عند الشباب الخليجي تنبع إذا من عمليّة تقويمهم لذاتهم ولوجودهم في العالم، كما تنبع من تقويمهم لمحتوى هويتهم الاجتماعية والحضارية (الثقافية)، مما يتراوح ما بين الاعتزاز بالانتماء، وبين الثورة على مظاهر الانكسار والخيبات التي تمر بها الأمّة.
على الطرف الآخر من الهوية الشخصية، هناك الهوية الوطنية، والدائرة الأوسع منها المتمثلة بالهوية القومية والإسلامية، مما يطلق عليه العلماء تسمية "الهوية الحضارية" . ويقصد بها تلك الملامح والخصائص والتوجهات والخيارات والخصوصيات التي تميّز مجتمعا ما عن غيره من المجتمعات. وهناك عدة دوائر للهوية على المستوى الشخصي: في نقطة المركز تقع الهوية الذاتية، تحيط بها دائرة الهوية العائلية والعشائرية والقبلية، ثم تستوعب الهوية الوطنية هذين المستويين، وهي تستوعب بدورها من خلال الهوية الإقليمية (الخليج العربي وأقطاره) بما له من خصائص مميزة سياسية واقتصادية وجغرافية ‏ومناخية وثقافية. تأتي الدائرة الثقافية العربية كي تستوعب هذه الأطر، وهي تندرج بدورها ضمن الدائرة الإسلامية الأوسع فيها. وأخيرا هناك الهوية العالمية المتمثلة في الشراكة في العولمة وقضاياها .
‏‏كذلك فإن بحث الهوية الوطنية يتطلب الأخذ بالحسبان تفاوت حالاتها وتوجهاتها ومستوياتها، تبعا لمختلف الشرائح الاجتماعية. هناك شرائح أكثر ميلا للمحافظة والتمسك بالتقاليد، وهناك في الطرف المقابل الشرائح الأكثر انفتاحا على الدنيا وعلى التغيير. وهناك بينهما عدة حالات من تفاوت المحافظة والتقليد من جانب والتغيير من جانب آخر. وتتوقف حالة الهوية في أي مرحلة تاريخية في المجتمع على نتيجة توازن القوة بين مختلف هذه الشرائح، مما يجعلها تمرّ بفترات من الإقدام والانفتاح والتحرك، وأخرى من الانكفاء والتصلب.

فئات الشباب وتنوع قضايا الهوية
هناك على الأقل أربع شرائح شبابية متمايزة عن بعضها بعضا، على مستوى ظروفها وواقعها وبالتالي مسارها ومصيرها، مما يحتاج معالجة نظرية وعملية خاضة بكل منها : ا - شباب النخبة، 2 - الشباب المحظي، 3 - الشباب ‏المكافح من أجل الارتقاء الاجتماعي، 4 - شباب الفئات الشعبية والريفية.
بادئ ذي بدء يشترك جميع الشباب الخليجي، كما العربي في تبنّي الهوية العربية الإسلامية لأنها مكوّن أساسي من مكوّنات انتمائهم. ويتبين ذلك من مختلف استطلاعات الرأي، ومواقف الشباب وجمهور الناس عموما. الكل يتابع قضايا الأمة. والكل يتألّم لانكساراتها. والكل يثور على ما تتعرض له من ظلم وتمييز، وكيل بمكيالين في التعامل مع قضاياها من قبل دول الهيمنة العالمية. وبالمقابل الكل يعتزّ بالانتماء الحضاري (القومي/الإسلامي)، ويعتزّ بتراث الأمة وتاريخها العريق. ولكن الإجماع في الانتماء يترجم اختلافات في ‏الالتزام بالعمل والسعي لتغيير واقع الأمة. هناك فئات تعيش واقع الانكسار بحدّة نفسية خاصة، باعتباره جرحا للكرامة الوطنية والذاتية، وبالتالي تتوق للثورة على المهانة وتتطلع لاسترداد الكرامة. ويدخل ضمنها فئة شباب الظلّ (الفئات الشعبية المهمشة من الشباب)، وفئة الشباب الجامعي الذي تتناوله الأبحاث بالدراسة.
‏بالمقابل فإن الانتماء القومي/الإسلامي يظل انتماءا مبدئيا ساكنا لا يتحرك إلا في المناسبات الكبرى أو حين حصول أحداث جسام على مستوى الأمة، عند الفئة المحظية وفئة شباب النخبة. الانتماء العام هو عبارة عن هوية اسميّة شكلية في أغلب الأحوال، عند فئة الشباب المحظي الغارق في ترف الاستهلاك. أما عند فئة النخبة فهو مكون أساسي من مكونات الهوية، وحاضر دائما على مستوى النيّة والاستعداد، ولكنه يتراجع إلى الخلف مع صدارة اهتمامات الانخراط في العولمة وانجازاتها، وخوض غمار تحدياتها والاستفادة من فرصها. نستعرض بإيجاز قضية الهوية عند كل من هذه الفئات الأربع:  

1 - فئة الشباب المحظي: يكاد لا يكون لديها أزمة هوية، نظرا لأن وضعها ‏وامكاناتها تجعل الأمر محسوما. على خلفية الانتماء الشكلي المناسباتي للهوية ‏العامة، تتمثل هويتها في حالة فريدة من الانتماء القبلي/العائلي المتداخل والمتآلف (بدون أي صراعات أو أزمات) مع الهوية الاستهلاكية في مختلف أحوالها. هناك انتماء قوي إلى العائلة ذات النفوذ، المنتمية بدورها إلى قبيلة شديدة الولاء للسلطات الحاكمة، إن لم تكن حاكمة أو مشاركة فاعلة في السلطة هي ذاتها، وبالتالي تحظى بقسط وافر من المغانم المصاحبة للولاء.  ‏يشعر هؤلاء الشباب فعلا بأنهم محظيّون بهذا الانتماء العائلي / القبلي الذي يملك النفوذ الكبير والمال الوفير. إنهم  أبطال "المولات" وثقافة المولات حيث يشكلون فئة الوجاهة الاستهلاكية، ويستعرضونها من خلال ملء وجودهم بالسلع، واقتناء آخر صرعات التكنولوجيا والموضة. إنهم روّاد أماكن اللهو ومتعه، وما يرفّره من شعور بالقيمة والأهمية الملازمين للقدرة الاستهلاكية. إنهم أصحاب هوية الرفاه والبحبوحة.  

2 ‏- فئة شباب النخبة: قد تكون هذه الفئة الأكثر حظا على صعد بناء الهوية ‏الذاتية ومقومات قوّتها وتماسكها. إنهم الفئة التي توفّرت لها منذ البداية ‏الظروف الأكثر ملاءمة لبناء هوية ذاتية من خلال ما نالوه من رعاية وتوجيه، وما يتمتعون به من مكانة وأهمية في الأسرة. وكذلك من خلال نوعية الدراسة المتميزة، التي تؤهلهم لبناء هوية علمية مهنية عالية، إضافة إلى العناية بتنمية شخصياتهم على مختلف الصعد المعرفية والنفسية والاجتماعية. ‏هذه الفئة منتمية إلى الأمة، ومنتمية إلى الوطن، ولو أنها تقف مواقف نقدية من سوء الممارسات من مختلف فئات السلطة الاجتماعية، والدينية والسياسية، إلا أنه نقد يتخذ منحى المطالبة بالتغيير من ضمن الانتماء. إلا أنها الفئة الأكثر ‏انتماءا إلى هوية العولمة في أسواقها وانجازاتها وانفتاحها الكوني، وهي الفئة الأكثر مواكبة لتسارع تحوّلات العولمة والاستفادة البنّاءةْ من فرصها.

3 - ‏فئة شباب الظل: هذه الفئة من الشباب المهمش، الذي لم يحظَ بفرص ‏تعلّم وتمهين ملائمة، والتي تدخل سوق العمل في سنّ مبكر لتلبية حاجات ‏الأسرة المادية، أو هي تتعثر في ولوج سوق العمل المتمهّن، لا تعاني بدورها من صراع الهوية وأزماتها. ذلك أن صراعها هو مع السلطات ذات النفوذ، التي تستأثر بخيرات الوطن. إنها فئة الشباب الغريب في وطنه على صعيد المكانة والمشاركة والبقاء في دائرة الظل، وفئة الحرمان من خيرات الوطن. إنها تحمل هوية الحرمان وتغذّيها بمشاعر الغبن والاحتقان النفسي، وبالتالي اشتعال أحاسيس الثورة والتمرد تنفجر في حالات الاضطراب الاجتماعي، على شكل عنف وتخريب للحيّز العام. يبدو هذا العنف التخريبي مجّانيّا للملاحظ الخارجي، كما للسلطات التي قد تفاجأ به وتحاربه بلا هوادة. إلآ أنه بالنسبة لهذه الفئة المهمشة عنف له ديناميّاته الخاصة: إنه صرخة الاحتجاج على الغبن المفروض. إنه نداء البحث عن الاعتراف المرفوض (من هنا تسمية الظل التي نعيّن هذه الشريحة بها). كما أن التخريب والتكسير لا يستهدف الممتلكات العامة التي تخصّ المواطنين (في نظر هذه الفئة)، بل هو تخريب وتحطيم لملكيات تخصّ السلطة وأصحاب النفوذ والحظوة الذين وضعوا اليد على الحيّز العام. لا يحسّ هؤلاء الشباب حين يحطّمون، بأنهم يعتدون على ملكيّات تخصّهم أو تخص ذويهم ومواطنيهم، بل هم ينالون من السلطات من خلال إنزال الخسائر بممتلكات تخصّها في رأيهم ولا تخصّ الحيّز العام.
وأما هويتهم العامة فهي راسخة،تتمثل بالانتماء الديني المحلي. إنهم ‏يستبدلون السلطات الدينية المعارضة وطنيا، بالسلطات المنفّذة التي يتم التنكّر ‏لها ولشرعيتها ومشروعيتها. تحلّ الهوية الدينية محل الهوية الوطنية. وهو ما ‏يفتح الباب أمام حالات التزمت والتعصب والعصبية الدينية، والإفراط فيها. وتبرز ظاهرة الانتماء (كهوية) إلى الجماعات الدينية التي تشكل جزيرات في الوطن، لها حياتها وممارساتها وتوجهاتها ومرجعياتها. إنها الهوية البديلة عن الهوية الوطنية، تستمدّ مزيدا من القدرة التعويضية عن الغبن المادّي والتهميش الاجتماعي، من خلال المرجعية الدينية الماورائية.

4 - فئة الشباب المكافح وأزمة الهوية: هذه الفئة هي التي نالت النصيب الأكبر من الدراسة والبحث، كما أنها الفئة الأكثر استهدافا من ‏قبل السلطات المعينة بأمر الشباب. وهي ذاتها الفئة التي تعيش أشد درجات تأزم الهوية الذاتية والوطنية، وجرح الكرامة القومية. إنها في قلب دوّامة المتجاذبات والثنائيات والتفاوت ما بين تدنّي الإمكانات، مع تقدّم درجات الوعي، نظرا لما نالته من حظوظ تعليمية، ولانفتاحها على عالم المعرفة وقواعد المعلومات والإعلام.
‏تبدأ أزمة الهوية على المستوى الذاتي نظرا لما يعانيه شباب هذه الفئة من تباعد الأهل عنهم من ناحية، ‏وفرض تسلّطهم ووصايتهم عليهم من الناحية الثانية. يشكو الشباب من صعوبات الحوار، ومن عدم تفهّم الأهل لهم ولدرجة وعيهم، وعدم تقدير مستوى النضج الفعلي الذي يتمتعون به. كما يشكون عموما من فقدان النموذج الإيجابي المنمّي في البيت والمدرسة والجامعة، حيث العلاقات فوقيّة في الحالات الثلاث. وهم يشكون على مستوى بناء الهوية الذاتية من قلة فرص تنمية الشخصية سواء في البيت أو المدرسة أو الجامعة.
وأما الهوية الوطنية فهي متأزمة بالضرورة عند هذه الفئة من الشباب. إنهم مبعدون عن المشاركة الفاعلة في الشأن العام، بعد انتهاء معارك الاستقلال واستئثار الكبار في القطاع العام والأهلي بالمناصب وتأزيل السلطة والقيادة. كما أنهم محرومون من التعبير عن ثوراتهم على الغبن اللاحق بالأمة، والتي ‏توضع على حساب السلطات السياسية والاقتصادية.

‏ويزداد تأزم الهوية الوطنية نتيجة لتفتّح وعي هؤلاء الشباب بفضل الانفتاح الإعلام الفضائي العالمي، وبسبب توفّر قواعد المعلومات التي تكشف وتفضح على مدار الساعة وعلى مدى الساحة الكونية. إنهم على وعي بممارسات الكبار الذين يفعلون عكس ما يقولون. والذين يفرضون عليهم معايير متشددة، بينما ينطلقون هم في مغامراتهم من كل نوع، وممارساتهم المالية اللاأخلاقية، وانتهازيتهم وتحايلاتهم وتزلّفهم بحثا عن المكاسب المادية، والجري وراء المنافع الخاصّة. إنهم يعانون من هذا التناقض الذي ينتشر في المجتمع ولدى الكبار، بين المصرّح به والمتحدث عنه من ناحية، والممارس والمتكتم عليه من الناحية الثانية (ولو أنه مفضوح فعليا).
‏‏‏وكما أن هناك عدة فئات من الشباب تتنوع قضاياها في مجال الهوية، فإن كل فئة منها تعرف تنوعا داخليا في هذه المسألة من حيث الاتجاه والشدة. ما تم عرضه في هذا المقام لا يعدو كونه اتجاهات عامة لا تنطبق بشكل نوعي على كل حالة بمفردها. ذلك أن ما عرض غير مبني على دراسات ميدانية معمقة ودقيقة وشاملة، بل هو بني على الأدبيات المتداولة في الموضوع[7].

الأسرة الخليجية*
لمحة سريعة عن تحولات الأسر العربية الخليجية
هنالك فيض من الدراسات الاجتماعية والنفسية حول تحولات الأسرة العربية الخليجية مع الانتقال من عصر الندرة إلى عصر الوفرة . نشير بعجالة إلى ‏أبرزها مما هو معروف، وما يخدم موضوعنا.
‏حملت الوفرة إمكانات كبيرة أتاحت إنجازات متميزة في الصحة والتعليم والثقافة والإعلام والانفتاح على الدنيا والتفاعل مع العمالة الوافدة المهنية الصناعية، كما اليدوية وأتيحت فرص كبيرة للمرأة تعليميا واقتصاديا. وحدثت تغييرات في نظم العيش والعمل والزواج. وتغيرت العلاقات المرتبية ذات المرجعيات التقليدية (القبلية والأبوية) إلى مرجعيات أكثر انفتاحا، أفسحت ‏المجال لتغيير فى العلاقات والقرارات والمبادرات والتوجهات. وحدثت ‏تفاوتات كبيرة في هذا الانفتاح بحيث نال قطاع الأعمال وممارسة المهن النصيب الأكبر من الحداثة، بينما كانت التحولات الثقافية أقل تسارعا في وتائرها. ولقد أدى ذلك إلى بروز الكثير من الثنائيات والازدواجيات في حياة الأسرة العربية الخليجية،‏في مزيج مركب ونوعي من الأصالة والتقليد، والمحافظة والحداثة، والانفتاح والليبرالية. وهو ما يولد الكثير من ا‏لازدواجيات في السلوك والمواقف، كما هو معروف. فالأسرة تحيا حياة ‏الحداثة في العمل ونمط العيش والتجهيزات والسفر، إلا أن بعضها لازال يمارس الأنماط التقليدية من العلاقات والتوجهات زوجيا ووالديا. وهو ما أخذ يولد بعض مظاهر الصراع في الأدوار والتوجهات. ‏وتتراوح الأسر الخليجية ما بين حداثة ليبرالية واضحة، وبين مزيج من التقليدية والحداثة (في أمور المعاش)، وذلك على اختلاف المستويات الاقتصادية.
أما أسر الحداثة فلقد انخرطت تماما في كل مظاهر الحياة المهنية والثقافية. وانعكس ذلك على تغير نمط العلاقات بين الزوجين، وبين الآباء والأبناء، في اتجاه مزيد من التحول من العلاقة الفوقية إلى العلاقات الأفقية التي تحمل قدرا كبيرا من التشاور والتبادل والمشاركة، وتوزع المرجعيات حسب الموقف والقضية. أبناء هذه الأسر (صبيانا وبناتا) أصبح يتاح لهم مجال للتعبير والنقاش والتحاور والمشاركة في القرار،‏في القضايا التي تهم شؤونهم. كما أتيحت لهم ‏المزيد من فرص الانفتاح الاجتماعي من موقع الثقة المتبادلة بينهم وبين الأهل، مع ما يستلزمه ذلك من رعاية. وبالتالي انخرط الأبناء في الحداثة تعليميا وثقافيا واجتماعيا.
‏وهناك في المقابل الأسر التي لازالت تسود فيها الازدواجية. ترسل الأبناء والبنات إلى الجامعة، إلا أنها لازالت تتمسك بالقيم التقليدية في التعامل معهم من مرجعية فوقية، وإملاء وتجنب للحوار والنقاش والشراكة، وتقييد للخيارات في الزواج، كما في الاختلاط بالرفاق والحياة الاجتماعية عموما. هذه الحالات هي التي تشكل موضع شكوى الشباب من قمع الأهل واستبدادهم، وتقييد حرياتهم. ويعبر هؤلاء الشباب عن مشاعر الإحباط والمرارة من عدم ثقة ‏الأهل بهم، وبقدراتهم على تحمل المسؤولية وتوجيه الذات خصوصا في مسائل ‏التفاعل الاجتماعي والخروج إلى الدنيا، وكأنهم كائنات غريزية متفلتة وتحتاج ‏إلى الضبط والتقييد الدائمين لعجزها عن السيطرة على اهوائها ونزواتها. ‏ويتناسى الأهل أن أبناءهم طلاب جامعيون، وعلى درجة طيبة من الوعي ‏والتفتح الذهني. تولد هذه الحالة تباعدا نفسيا بين الشباب والأهل، ويتّهم الشباب ذويهم بأنهم لا يجشمون أنفسهم مشقة تفهّم مشاعر الأبناء وأفكارهم ورؤاهم.
وقد يقابل حالات الحماية المفرطة والتقييد فى هذا النوع من الأسر إغداق ‏للحنان من قبل الأم التي تستمر في معاملة أبنائها كأطفال. إننا بصدد الأم ‏التملّكية، التي تحتضن الأبناء وتغرقهم بعطائها وتهيمن عليهم بحضورها، في مقابل تشدد الرقابة الأبوية. يولد أسلوب التنشئة في هذه الفئة من الأسر حالات ‏من استمرار الطفلية لدى الأبناء. الأهل يقيدون كثيرا ويحتضنون كثيرا، ولا ‏يتركون للأبناء فرصة الاستقلالية والتدرب عليها والتمرس بالمسؤولية. إنهم ‏يظلون ملكية للأسرة التى تعجز عن إجراء الفطام النفسي مع الأبناء. ولذلك ‏يحرم هؤلاء من فرص النضج النفسي الاجتماعي شديد الأهمية للقيام بمهام ‏الحياة الراشدة بتحدياتها المتعاظمة في عصر انفجار الانفتاح.

أنماط العلاقات الأسرية وآثارها على الأبناء
نقصد به انطفاء العلاقات الزوجية،‏لجهة د‏ورها العاطفي والجنسي،‏مع ‏الحفاظ على المظاهر الشكلية للحياة الزوجية، خارج المناسبات المعتادة. ينصرف الزوج إلى أعماله وسفراته. وتنصرف الزوجة إلى علاقاتها الاجتماعية واهتماماتها الذاتية وأنشطتها التسويقية. ويوكل أمر الأبناء إلى الخدم، في حالة ‏من غياب الوالدين العاطفي والوجداني والرعائي عن المنزل والأبناء. وغالبا ما يعرض الوالدان عن هذا الغياب من خلال الرشوة المادّية للأبناء وإغداق المال عليهم، مع تركهم بدون رقابة. وهو ما يضع هؤلاء الأبناء مباشرة في حالة الخطر الخلقي. يقبلون على الاستهلاك والبحث عن الملذات، والانخراط في المغامرات والتجارب، وكلها تحتمل أخطارا خلقية ونفسية كبيرة. يعوّض الأبناء بهذا الأسلوب الحياتي عن الفراغ العاطفي، وغياب الرعاية والحماية. تلك هي الحالة التي تميز جنح البحوحة عند الناشئة والشباب.
 جلّ الشباب الجامعي الخليجي هو أبعد ما يكون عن العنف والعدوانية في سلوكاته الفعلية وتفاعلاته مع الكبار والسلطة والأنظمة. ما يعانيه هذا الشباب ‏حين يتم الاستماع إليهم هو حالة المرارة والضيق والإحساس بأنه ممنوع عليهم التعبير، أو التمرد، واجترار المرارة والاستسلام لواقع مفروض. ‏وفي المقابل، هناك في تصرفاتهم الكثير من مظاهر الاتكالية الطفلية التي ‏تتخذ طابع الشكاوى من كثرة الأعباء (وهي عادية فعليا بالمعايير الجامعية ‏المعتمدة). إنهم ينقلون في الواقع إلى المجال الجامعي نمط علاقاتهم وتوقعاتهم التي تشيع في أسرهم، في التعامل معهم. إنهم يبدون في الكثير من ‏الأحيان كأطفال امتثاليين ينتظرون الرعاية وتولّي شؤونهم نيابة عنهم، كما يفعل ‏الأهل في البيت.
يشيع في هذه الحالة لجوء الأبناء إلى الوسائل البديلة، وأهمها التعويض عن القيود المفروضة على التفاعل الاجتماعي، من خلال الإنترنت ودردشاتها والإدمان عليها، وقضاء ساعات طويلة ليلية مسمّرين على شاشة الحاسوب، في ‏غفلة عن الأهل ورقابتهم . إنهم يجدون في هذا الإدمان عالما بديلا عن العالم ‏الذي منع عليهم. يستغرقون في هذا العالم الافتراضي الذي يحمل الإثارة ومتعة المغامرة، ‏والإحساس بالحرية والقدرة على التعبير بدون مساءلة. إلا أنه عالم ‏افتراضي يمنع التمرس بتجارب العالم الواقعي، ‏كما أنه يؤثر على دراستهم  وتوافقهم العاطفي والسلوكي.
ومع التزمت المفرط والمرجعية الفوقية الاتباعية ترفض المساءلة، وتعتبر الانفتاح على الحوار والمشاركة بدعة وحروجا عن الأصول، يتم التأسيس ‏للتصلب الذهني،‏وتشجع الرؤى القطعية التي لا تحتمل التمايزات والتباينات ‏والاختلافات: ليس هناك سوى جواب واحد صحيح، وموقف واحد صحيح، ‏وكل ما عداه خطأ أو ضلال. وبدلا من العقلانية المنطقية والجدلية التي تتصف بالانفتاح والمرونة، وتشتغل على التعدد والتنوع والبدائل، يتم تغليب الانفعال المفرط في التعامل مع المواقف والقضايا والأحداث، وهو ما يؤسس للأصولية.
قد يستجيب بعض الشباب من أبناء هذه الأسر بالتدين المفرط والتزمت الذي ‏يتجاوز تزمت الأهل. وهو ما يفتح الباب أمام بروز ميول التكفير، الذي قد ‏ينصب على الأهل حتى، في نوع من المزايدة عليهم والتربص بأخطائهم وكشف ازدواجياتهم الحياتية (يقولون ما لا يفعلون). وهنا قد يفتح الباب أمام الكفر ‏بمرجعيتهم واستبدالها بأخرى عادة ما تكون أصولية. ‏وتتعزز هذه الميول الأصولية، من خلال تحرك النزعات الاستهلاكية واللذوية التى يشجع عليها الإعلام الاستهلاكي وتحريضه على الإقبال على الإثارة والملذّات المتكاثرة على الشاشات. ونظرا لتزمته فإن هذا الشباب يقاوم تحرك هذه النزوات لديه، بمزيد من التطرف الدفاعي ضدها، على شكل إفراط ‏في ميول التكفير التي يتمترس خلفها.
‏‏يشيع في الأدبيات حول الأسرة الخليجية أنها تحوّلت من الأسرة الممتدة التى تضمّ عدة أجيال تعيش فى حيّز مكاني واحد (البيت العود)، ويكون لها ‏حياة اقتصادية مشتركة (أعمال العائلة التي يقودها كبيرها)، إلى الأسرة النواتية، ‏على النمط الغربي، حيث يعيش الزوجان مستقلين مكانيا واقتصاديا وإدارة لحياتهما. إلا أنه يتعيّن التمييز الواضح بين الأسرة النواتية الخليجية، وتلك المعروفة في الغرب الصناعي. الأسرة النواتية الغربية تقوم أساسا على مبدأ الاستقلالية الفردية الحاكمة لهذه المجتمعات في كل شؤون حياة الأفراد. أما خليجيا فإننا بالأحرى بصدد "أسر نواتية ذات علاقات ممتدة" (حجازي،2001 )[8]. إنها نواتية في السكن وإدارة الحياة، وحرية القرار النسبية في اختيار القرين والزواج. إلا أنها لازالت ممتدة على مستوى شبكة علاقات القرابة الكبيرة: من تزاور دائم، وتشاور، ولقاءات واحتفالات في المناسبات الدينية، وكثافة التواصل والتفاعل، والتعاون والتساند حين يلزم، وأخذ المرجعيات العائلية بالاعتبار في القضايا التي تخصّ مكانة العائلة، وحتى في تدخل الأهل في تربية الأبناء واستضافتهم.
تشكل العائلة النواتية بعلاقاتها الممتدة التي تتعزز بعلاقات الجيرة ( الفريج ودوره الهام في التساند والحماية والمرجعية والضبط السلوكي)، مرتكزات هامة للتكيف الاجتماعي،‏وسلامة النسيج الاجتماعي، الذي يحصّن ضد ظواهر ‏العنف الفردي. إنها تؤسّس للانتماء والولاء والتكيّف في آن معا. ويكسب ‏المجتمع العربي الخليجي كثيرا على مستوى تماسكه وحصانته في الحفاظ على هذه العلاقات الممتدة، وتثمير نظام التساند والتآزر الأوّلي الذي توفّره.

قضايا الشباب والمستقبل*
التعليم والعمل
مع العولمة ومتطلباتها من الاقتدار المعرفي وصلابة الانتماء، ومتانة واتساع الثقافة العامة والانفتاح على العالم، زادت مشكلة التعليم العامّ فليس هناك اهتمام فعلي بالمضامين الفكرية التي يتلقّاها الشباب في مناهج التعليم: من مثل التربية على المواطنة والتوعية الفكرية والثقافية والسياسية والتمرّس بالمشاركة، ناهيك عن تكوين التفكير العلمي والنقدي والجدلي وأساليبه. المناهج غير معنيّة بالتغيير والتطوير والإصلاح رغم الإنفاق السخيّ عليه، وكثرة الخطط الموضوعة لتطويرها. فهي لا تعالج ظواهر العنف والتطرف، ‏ولا تربّي للتحصين ضدها. كذلك لا تعالج قضايا ومتطلبات الانفتاح على الدنيا والتعامل مع تحولاتها، والمشاركة في صناعتها. كذلك فإن موضوع المرأة ‏وتمكينها لازال نادر الحضور. وخلاصة القول إن المناهج الخليجية لا تعطي الطالب ثقافة كافية، بما يدور حوله وحول وطنه ومنطقته. ذلك كله متروك للوسائل غير الرسمية ولمرجعيات غير رسمية، وبالتالي غير مضمونة من حيث توفير التحمين الثقافي والمجتمعي.

الشباب وقضايا العمل
خيرات الوفرة المفاجئة أسست لمشكلتين بدأتا تلقيان بظلالهما على مجتمعات دول المجلس، وكلتاهما كان يصعب التخطيط بعيد المدى لعدم ‏مجابهتها، والاحتياط لآثارها.
أما الأولى فهي التوسع شبه الانفجاري في التعليم العامّ والجامعي بدون العناية الكافية بالنوعية وبناء القدرات الفعلية، أي بدون التمكين. المهمّ الحصول بأيسر السبل على الشهادة جواز العبور إلى الوظيفة المتوفّرة. وهو ما أسّس تعليميا (وعلى اختلاف المراحل) لتقاليد التساهل والمعدّلات المرتفعة ‏إنما الشكلية، إذ أن الوظيفة مضمونة في جميع الحالات، وبصرف النظر عن الكفاءات الفعلية. ذلك أن الوفرة المالية استخدمت ليس لبناء الاقتدار والكفاءات المضمونة، بل في كثير من الأحيان للتغطية على تدنّي الإنتاجية الحكومية، وتواضع أداء الموظّفين، في مختلف الدوائر والمؤسسات العامة. وتتم هذه التغطية من خلال استئجار العمالة الفنية الوافدة للتسيير الفني والتقني والإداري المتخصص للأعمال.
‏وقد يكون أخطر ما في هذه الظاهرة وأشده أثرا على مستقبل العمالة والإنتاجية في دول المجلس، هو عدم بناء ثقافة الإنجاز والإنتاجية لدى الأجيال الطالعة، وتراخي تقاليد الجهد والعمل الدؤوب الذي كان شائعا عند الكبار قبل الطفرة. انحسرت رؤية وهوية الإنسان المنتج من خلال الجهد والإعداد ‏الذاتي، بشكل أخذ يؤثر على نموّ مجتمعات الخليج بشكل واضح في العديد من المواضع.
الكل يطمح بالوظيفة الحكومية لما فيها من ضمانات وظيفية وحياتية معروفة. والكل يقبل على الوظيفة كمورد من موارد الرزق التي يكملها بمشاريعه الخاصّة بعد الدوام الرسمي. أصبح العمل الوظيفي أقرب إلى دوام فيه شيء من الإنجاز الذي يعفي من المساءلة، والكثير من جهود التقرب وإظهار الولاء من مركز ‏النفوذ المسؤول. باختصار أخذت تشيع حالات النظر إلى الوظيفة الحكومية، ‏باعتبارها النصيب المستحقّ من الغنيمة التي وفّرتها الطفرة النفطية للمحظيين، ولم تعد مسألة جهد وتعاقد على الجهد، مقابل الأجر والتقديمات. وهو ما يفتح باب التنافس على الولاء والتقرب بدلا من باب التنافس على الإنتاج والجودة. وخصوصا أن الأقل حظّا من الغنيمة ينظرون بعين الضيق والغبن إلى الأكثر حظا وحظوة منهم. وعليه فلقد تأسّس معيار تقويم الولاء في الوظائف،‏بدلا من تقويم الأداء. ويظل الموظف محميا ومغطّى طالما كان تقييم ولائه موتفعا، ولو تواضعت نوعية أدائه. لا يطرح ملفّ رداءة الأداء، إلا إذا اختلّ ‏تقويم الولاء. احتقان الشباب الجامعي الذي يعاني من البطالة يقوم أساسا على ‏أرضية الحظوظ والحظوة والحرمان منها، مع ما يجرّه من مواقف سلبية معروفة. تعلو المناداة بحقوق المواطنين بالوظائف، ‏بدون أن تثار قضية الكفاءة وقوة التأهيل المهني والفني ومتانته، والقدرة الفعلية على الإنتاج ذي الجودة.  
‏ويرتبط هذا الأمر كله، بما أُطلق عليه في المجتمعات الخليجية اسم "دولة ‏الرعاية". والواقع أن دول الخليج أنفقت بسخاء غير مسبوق، ‏وفي فترة زمنية ‏قصيرة على معظم قضايا الرعاية الصحية والتربوية  ‏والحياتية العامة للمواطنين. ‏وتحوّلت الرعاية أحيانا إلى ما يشبه إغداق الخدمات نظرا لوفرة الخيرات. إننا في الواقع ليس بصدد دولة رعاية كما هي معروفة في الغرب الصناعي، بل بصدد دولة بحبوحة ورفاه حين عمّ الرخاء. في الدول الصناعية المتقدمة كان ‏هناك نضال طويل من أجل حصول المنتجين على تقديمات الرعاية المعروفة ‏(صحة، تعليم، ‏ضمانات، بطالة وشيخوخة). إنما هذه التقديمات كانت ولازالت تمثّل المقابل المستحقّ للجهد الإنتاجي المضني، الذي يبذله العاملون ‏في مختلف القطاعات. إنها تقديمات تأهيل الطاقات العاملة المنتجة وتدريبها وإعدادها وصيانتها كي تعطي أفضل إنتاج ممكن.
أما دولة الرعاية الخليجية، فلقد قامت على منظور فريد لدى المواطنين والمسؤولين على حد سواء، يتمثل في النصيب من الغنيمة، بدون مقابل فعلي ومكافئ من الجهد والإعداد والإنتاج. إنها نظرة الطفل المدلّل والمحظي الذي يأخذ بدون مقابل. وهنا يبرز التنافس، وتطلّ الغيرة برأسها (شأن الأخوة في العائلة الواحدة): من هو المحظي، ومن هو الأكثر تدليلا؟ ولذلك يقارن المواطنون أنفسهم بأبناء عمومتهم، في الدول الأكثر بحبوحة وإغداقا للأعطيات على مواطنيها، ويعبّرون عن عدم رضاهم.
‏ولقا ساهمت السلطات في إرساء هذه النظرة، حيث امتلكت الثروة النفطية، وتولّت زمام الصوف على مختلف المرافق والشرائح السكّانية. إنها نقلت إلى الحداثة التي حملها انفتاح الوفرة تقاليد البطركية القبلية، حيث يوزّع رئيس القبيلة المغانم على الأتباع والأفراد كل حسب مكانته وولائه.

تحديات العولمة*

الشباب الخليجي وقضايا الهوية: ما بين الانفعال والفعل
تكاد قضايا هوية الشباب الخليجي أن تكون من أكتر القضايا تعقيدا وتعددا في الأوجه والمتغيرات الفاعلة فيها. بدءا من بناء هوية ذاتية شخصية تحدّد للشباب من هو وماذا يريد أن يكون، وما هي صورته عن ذاته، مرورا بالهوية الوطنية وقضايا الانتماء، ووصولا إلى الهوية القومية والإسلامية العامة . وكلا الأمرين يشكل تحدّيا للشباب عموما. فكل الشباب مهمة بلورة هوية ذاتية متماسكة يقدم ذاته مت خلالها، ويتوافق مع مفهومه عن ذاته.
‏ويطرح أمر الهوية على المستوى العام، نتيجة لمتغيرات أخرى اساسية أبرزها التحوّلات التي يشهدها المجتمع العربي الخليجي، والتي تمسّ كل بناه التقليدية، وجوانب حياته وممارساته وقيمة وتوجهاته ومعاييره ومرجعياته. هذه التحوّلات أتت متسارعة، مما جعل قضية التغيير تتخذ طابعا ضاغطا يتصف بالتجاذبات والثنائيات والتداخلات، على عكس التحوّلات التدريجية التي توفّر عنصر التماسك والاستمرارية في عملية التغيير. أما العنصر الآخر الذي قد يكون أكثر ‏ضغطا، فهو أن هذه التحوّلات الاجتماعية لم تكن داخلية المنشأ أو نتيجة لنموّ طبيعي، كما هو الحال عادة في الفترات التاريخية المستقرة، بل إنها أتت في العديد من أوجهها ومجالاتها مفروضة من الخارج، مع انفجار الانفتاح على العالم، ودخول القوى التي واكبت هذا الانفتاح على البنى والمرجعيات والمعايير والقيم التقليدية.
ويعاني الشباب على هذا الصعيد من ازدواجية خطاب الكبار ذاتهم في موقفهم من أبنائهم: التناقض بين ما يحاولون فرضه على الأبناء من معايير وقيم وسلوكات، وبين سلوكاتهم هم التي لا تراعي دوما هذه المعايير والقيم. وعلى وجه الإجمال تتلخّص هذه الإشكالية في تخلخل المرجعية المتماسكة، وذات المستوى المعقول من الاستقرار والاستمرار الذي يمكن الشباب من بناء هويته في إطار منسجم.
‏إلا أن هناك قضية كبوى أخرى تأزم بناء الهوية المتماسكة لدى الشباب، ‏مما ‏يتمثل في سلسلة الانتكاسات القومية التي عرفها العالم العربي بعد الاستقلال، والتي كان لها انعكاساتها الخليجية. يشكل الانتماء القومي/الإسلامي أحد المكوّنات الأساسية للهوية الذاتية والوطنية العامة. وبالتالي فلقد حملت هذه الانتكاسات والمحن التي حلّت وتحلّ ببعض أقطار العالم العربي، معاناة كبرى تكاد تبلغ حد الصدمة للهوية القومية والوطنية. صدمة جرح الهزيمة التي لا تجد الرد الفعّال عليها، وصدمة جرح الكبرياء وما تولّده من غضب واحتقان وثورات تعتمل في الداخل، وتظهر على السطح في بعض المناسبات. ذلك أن الإنسان بحاجة ماسّة من أجل الحفاظ على توازنه النفسي، إلى مقوّمات فخار واعتزاز بانتماءاته، حتى تصل هويته إلى الحالة المطلوبة من الانسجام والتماسك.
ويضاف إلى هذه الأبعاد التي تجعل من الهوية وبناؤها وانسجامها وتماسكها قضية إشكالية، تهميش الشباب عن العمل العام، والحرمان من الدور النشط الذي يحمل القيمة والمكانة والدلالة، ويبني الهوية مصدر الاعتزاز الذي شاع خلال مراحل النضال من أجل الاستقلال الوطني. الشباب مهمّش وممنوع عليه التمرد والتظاهر والتعبير والاحتجاج، ناهيك عن النضال من أجل مقاومة هذه الهزائم التي تنزلها بأوطانه قوى التدخل الكبرى. كما أنه مهمش من حركات الاحتجاج والاعتراض على الأوجه المظلمة للعولمة، والتي يرى آثارها مفروضة عليه وعلى مجتمعه. كل ذلك يجعل هويته في حالة أزمة. وهو ما يدفع بالشباب إلى اللجوء إلى العديد من آليات الدفاع للخروج من مأزق الهوية الذي فرضه عليه السياق التاريخي السياسي الاقتصادي الراهن.
‏من هنا نجد ردود الفعل التي تتفاوت ما بين الإفراط في التديّن المتزمت وصولا إلى إدانة كل شيء، وتكفير كل شيء والحرب على كل شيء، وبين الإفراط في الانغماس بمظاهر الاستهلاك والإثارة والمتع الآنيّة والأنانيّات اللذوية الشخصية مع إدارة الظهر للمجتمع وانتماءاته وقضاياه، وبين حالات احتقان نفسي لا تجد لها وسائل للتعبير، والتي تولّد صراعات وأزمات نفسية ‏وسلوكية .
ذلك كله يجعل من مسألة الهوية الذاتية والعامة قضية فعلية تطرح بحدة على ‏المجتمع العربى الخليجي. نحن بإزاء تعدّد الأطر الاجتماعية القبلية، الريفية، الحضرية، ومفرطة الحداثة. ولكل منها مرجعياتها وتوجهاتها وتفضيلاتها، على مستوى الهوية وبنائها وتحديدها. وهو ما يضاعف تعقيد قضية الهوية العامة. ‏الشباب الخليجي في حالة أزمة هوية وتحديد هوية، على المستوى الذاتي العائد إلى مرحلة النموّ وخصوصياتها. والمجتمع العربي الخليجي في حالة أزمة هوية من خلال الازدواجيات وتسارع التحوّلات، والأمّة بحالة أزمة هوية، ‏من خلال ما تعانيه من انتكاسات وما يفرض عليها من معارك وينزل بها من هزائم. وتتلخّص هذه كلها فى قضية نوعية هي أزمة الهوية المنفعلة، ‏التى يكاد يفلت زمام الأمر من أصحابها وحامليها بمقادير متفاوتة. وذلك في مقابل الهوية الفاعلة التي تصنع ذاتها وتحدد خياراتها وتوجهاتها: إنها أزمة الندّيّةْ في التفاعل والتعامل، ‏مع العالم، في عصر الانفتاح الكوني الذي لم يترك مجالا للانغلاق والانكفاء.

هوية الشباب ما بين الأصالة والعولمة والأصولية
‏الهوية الخليجية ليست أحادية ثباتية،‏كما تم بيانه، بل هي مزيج، شأن كل هوية في كل المجتمعات وشرائحها، من عناصر ناتجة عن ‏القوى الفاعلة سياسيا وثقافيا واجتماعيا. الهوية الخليجية الراهنة والتي تعرّضت لسيل التحوّلات التي عرفها المجتمع الخليجي تتنازعها ثلاثة اتجاهات أو قوى: ‏الأصالة القبلية والعشائرية، والعولمة وطوفانها فى أوجهها الإيجابية والسلبية، وعن هذين الاتجاهين وتفاعلهما برز المدّ الأصولي الذي يستهدف الشباب أساسا، باعتبارها القوّة الحية والحيوية في المجتمع. ولا بد من تحليل عملية التفاعل بين هذه القوى كي نفهم الواقع الراهن، وما يتصف به من ديناميات وما ‏يتولد عنه من ظواهر، بدأت تشكل موضوعأ للتوجسات والمخاوف المشروعة، ‏ونعني بها التطرف الأصولي. ‏الأصالة القبلية أسهمت، بكل الوسائل المتاحة لها، في إحباط المشروع القومي الوطني، من خلال الحرب التي لا هوادة فيها، ليس فقط على قيادات هذا المشروع، بل خصوصا على التنظيمات السياسية والشعبية والثقافية الداعمة لهذا التوجه. تمّ القضاء على هذه القوى الوطنية ذات الطموح المدني. وحُورِب الفكر النقدي، وحورب الانفتاح، وحوربت الفلسفة والسياسة والثقافة ذات المنحى المدني المؤسسي بلا هوادة. وفرضت بالمقابل العصبيات القبلية، التي جيّرت الوطن وثرواته ومؤسساته لخدمة سلطتها ونفوذها. وعزِّزت المثقافة العصبية، مكان الثقافة المدنية المؤسسية، والهوية العصبية مكان الهوية الوطنية المدنية.
وكما هو معروف في علم الاجتماع[9] فإن العصبية من حيث التعريف وكما حلّلها ابن خلدون تقوم على النسب والغلب،  والشوكة التي يتمتع بها زعيم العصبية، أو عشيرته أو عائلته، ويفرضها على القبيلة أو الجماعة بأكملها، ويتولى زمام السلطة. وتقوم العلاقات، رغم ما فيها من شورى، على المرتبية وقرب دوائر العلاقة أو القرابة من مركز السلطة. وتوفّر العصبية مشاعر الانتماء والعزوة، والافتخار بالأصل والحسب، وبالتالي توفر مقوّمات هوية قوية، إلا أنها هوية ثباتية تقوم على الأصل، وليس على الفعل والإنجاز. كما يوفّر الانتماء الحماية والرعاية والنصيب من الغنيمة، حسب قرب دائرة الانتماء من السلطة المركزية. إلا أن هذه مرهونة بما أسماه الجابري "أخلاق الطاعة"[10] والولاء والتبعيّة غير القابلة للنقاش. وبالتالي فالعصبية التي تمثّل سوسيولوجية القبلية الأساسية، ترسّخ ذهنية قطعية، أحادية فوقية تبعية. لا مجال فيها ‏لاستقلالية في الرأي والفكر.
‏أما القوة الداخلية فتتمثل كما هو معروف، من الشواهد العربية والخليجية، في التيارات الدينية مفرطة التزمت، والتي تحارب الهوية القومية الليبرالية والمنفتحة. ولذلك تشجّع بعض هذه الدول، كل تيارات التطرف الديني باعتبارها الوحيدة القادرة على مجابهة التيارات التحرّرية الليبرالية المتهمة بأنها تتبع البدع الغربية وتتنكّرللأصالة. وتقوم هذه القوى على مبدأ التحريم أساسا في تدجين النفوس، وقولبة العقول، وفرض اتباعها ليقين واحد وحيد، مع اعتزاز بالانتماء الديني، يضع الجماعة في مرتبة الحق والعصمة بالنسبة للجماعات الأخرى. إلا أن العصبيات السياسية بدأت تخشى تهديد هذا التيار الأصولي لكيانها، بعد أن استخدمته في حربها على التيارات الليبرالية الوطنية المدنية، وأخلت الساحة لهذا التيار.
أما القوة الخارجية التي تحالفت معها العصبية السياسية فهي قوى الهيمنة الدولية السياسية/الاقتصادية التي توفّر الحماية لهذه العصبيات، وبالتالي تسيطر عليها وتستبعها مقابل هذه الحماية. وهي ذاتها القوى التي شنّت الحرب الشاملة وبلا هوادة على حركات التحرر الوطني، وأحبطتها،‏من خلال التحالف مع العصبيات السياسية في تشجيع التيارات الدينية ومدّها، بكل ما يلزم من وسائل القوة والانتشار. وهي بدورها بدأت تشنّ معركة كونية على هذه ‏الأصوليات الدينية، بعد أن استنفذت أغراضها في ضرب التيارات الوطنية الاستقلالية. ‏فقد بدأت تتفاقم الأصوليات الدينية والعرقية والمذهبية وتكتسح مكوّنات الهوية. وكلها تقوم على تمجيد العصبية الداخلية، ورفعها فوق مستوى الآخرين: الضالّين أو المشركين، أو الظالمين، لا فرق. وتغذّي عدوانيتها تجاه الجماعات الأخرى بالتطرف والأحادية في النظرة، والقطعية في الأحكام: جماعة العصبية الخيّرة وموطن الكمال والحق، في مقابل الجماعات الأخرى الضالة أو الكافرة، أو الظالمة أو المعتدية. وتتغذّى في الآن عينه، آلية شعور العصبية بالغبن اللاحق بها من قبل العصبيات الأخرى، وهو ما يفجّر سلوكات العنف الذي لا يعرف حدودا، ضد هذه العصبيات الأخرى، ويتخذ العنف غير ‏المحدود طابعا شرعيا ومشروعا.

‏ واقع الكيانات الاجتماعية الصغرى*
‏ تتعايش في المجتمعات العربية بنى اجتماعية متنوعة، تمثل كل منها مرحلة تاريخية من مراحل تطور المجتمعات الإنسانية. فهناك البنى ‏الاجتماعية العشائرية، والقبلية، والطائفية والدينية التي تعيش جنبا إلى جنب ‏في قلب الدولة القطرية، وعلى حسابها. وتستقطب كل بنية من هذه مشاعر الولاء الاجتماعي وفقا لدرجة أهميتها وحضورها في دائرة الحياة الاجتماعية. وتجد هذه الرؤية مشروعيتها عند هشام شرابي الذي لا ينفك يؤكد في كل مناسبة على الخصائص الأبوية البطرياركية للمجتمع العربي الذي يتسم ببنية داخلية لا تزال تقوم على علاقات القرابة والعشيرة والفئة الدينية والإثنية"[11].
القبيلة tribu  تكوين اجتماعي يقوم على روابط الدم والقرابة وعلى أساس العادات والتقاليد المتوارثة، ويعد الانتماء القبيلي وحدة التنظيم الأساسية في المجتمعات التقليدية[12]. والقبيلة بالتعريف "جماعة تربط أعضاءها صلات الدم والقرابة ونمط من الإنتاج والتوزيع، والاستهلاك، وأسلوب المعيشة، والقيم، ومعايير السلوك المشتركة وهيكل السلطة الداخلية"[13]. ‏أما الطائفة secte religieuse ‏فهي تكوين اجتماعي ديني يقوم على نمط محدد للممارسة الدينية. إنها وجود اجتماعي يقوم على أساس الانتماء لدين أو مذهب أو ملة معينة. إنها "جماعة من الناس يمارسون معتقدا دينيا بوسائل وطرق وفنون معينة. إنها تجمُّع ديني، ولكنها تكتسب مع الوقت طابعا اجتماعيا وسياسيا"[14]. ‏
‏ ‏وفي هذا السياق يبين أحمد شكر الصبيحي، في دراسة مهمة أجراها حديثا حول مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، أن البنية الاجتماعية العربية تقوم على أساس علاقات القرابة والدم حيث يقول "إن العلاقات المسيطرة هي علاقات القرابة والأهل والمحلة والمذهب والطائفة والعشيرة (...) إنها علاقات طبيعية، عضوية جمعية، قسرية، علاقات مرتكزة على روابط الدم"[15]. وإن حضور الولاءات الاجتماعية الضيقة (طائفية وعشائرية وقبلية) لا يأتي اعتباطا بل يعبر عن وضعية تاريخية مشروعة: حيث تلبي هذه البنى وظائف اجتماعية وسياسية مهمة تتمثل في تأمين الحماية والأمن والهوية لأفرادها في ظل مجتمعات لم تتبلور فيها البنن السياسية الاجتماعية المعاصرة على نحو متكامل ولا سيما بنية الدولة العصرية أو الأمة.
‏‏وما يؤسف أن الدولة الحديثة في الوطن العربي لم تستطع أن تبدد هذه الانتماءات العشائرية، أو أن تكامل بينها عبر نقلة ديمقراطية حقيقية، وبقيت هذه الدولة في كثير من بقاع الوطن العربي دولة عشائرية أو طائفية تستمد نسغ وجودها من التكوينات الصغرى القائمة في المجتمع وتعتمدها في الهيمنة على السلطة والمجتمع.
وتؤكد الدراسات الجارية والدراسة الحالية على عدد من النقاط أهمها:

‏1- أهمية الانتماء الديني الإسلامي وأولويته على مختلف أشكال الانتماءات الأخرى.
2 ‏- تراجع المشاعر القومية الكبير عند الناشئة العربية لصالح الانتماءات ‏القطرية.
3 ‏- تنامي الانتماءات القبلية وحضورها الكبير في حياة الناشئة والشباب.
4- تنامي قيمة الولاء للأسرة على قيمة الولاء للوطن.
5 ‏- تنامي الولاءات الطائفية الخطرة بين صفوف الشباب العربي.

وخرجت الدراسة بعدد من النتائج المهمة حول نسق الانتماء السائد في المجتمع الكويتي. فالدين يأتي في صدارة سلم الولاء، يليه الوطن، ثم القبيلة، ومن ثم الطائفة، وأخيرا أبناء الأمة. ‏أما من جهة فرضيات الدراسة فقد تبين لنا ما يلي: بينت الدراسة وجود ‏فروق دالة إحصائيا في المستويات التالية:
‏ - الإناث أكثر تشددا وحماسا للانتماء الديني من الذكور.
- الذكور أكثر حماسة للقبيلة والوطن من الإناث.

الاتجاهات السياسية لطلبة جامعة الكويت*
مقولات الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من المقولات الآتية:
­1- يتمتع طلبة جامعة الكويت بدرجة عالية من الاهتمام والمعرفة السياسية.
2 ‏- يتمتع طلبة جامعة الكويت بتوجهات سياسية ذات طابع ليبرالي.
3 ‏- لدى طلبة جامعة الكويت توجهات إيجابية نحو الأداء السياسي للنظام.
4‏- توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الاتجاهات السياسية للطلاب وبين ‏خصائص خلفياتهم الاقتصادية الديموغرافية وهي: الجنس، وعمل الأب، والتخصص الدراسي ومستواه، والدخل الشهري للأسرة.

الخصائص الاجتماعية للعينة
اتضح أن 27.3% من الطلبة ينتمون إلى القائمة المستقلة، وهو ما يعود إلى أن هذه القائمة لا تحمل أي فكر سياسي معين، فكل مطالبها طلابية بحتة، وأهدافها السياسية عائمة غير محددة، وتتخذ من خط الوسطية والاعتدال في تفكيرها نهجا تسير عليه، مما جعل الطلبة يقبلون عليها، كما أن اسم القائمة يشير إلى الاستقلالية عن الحركات والأحزاب السياسية (غير الرسمية) العاملة في الجامعة، مما يجعل الطلبة ييفضلون الانتماء إليها خصوصا على مستوى الكليات وليس على مستوى الجامعة بصورة كلية.
‏وشكلت قائمة من ينتمون إلى الائتلافية نسبة 18.4% وهي لسان حال للحركة الدستورية الإسلامية (الإخوان المسلمين)  الذين يشكلون على ما يبدو أكثر تنظيم سياسي قي البلاد. ‏ويبقى التساؤل، لماذا لا تشكل الائتلافية أغلبية الطلبة؟ والجواب يتلخص في أن الطلبة في السنوات الأولى يعزفون عن الانتماء إلى أي جماعة سياسية بحكم قلة خبرتهم ورغبتهم في الاستكشاف، ويفضلون البقاء بعيدا عن الاقتران بهذا التيار السياسي أو ذلك.
ويشكل الطلبة الذين ينتمون إلى الوسط الديموقراطي ما نسبته 16‏%، وهذا أمر طبيعي لأن هذه القائمة تضم الطلبة ذوي التوجه القومي العربي الذين هيمنوا على الاتحاد العام للطلبة لمدة تفوق خمسة وعشرين عاما إبان فترة المد القومي في الكويت والبلدان العربية. ويشكل التيار القومي نسبة لا يستهان بها على الرغم من أنه بدأ يضعف بسبب كثير من الخروقات التي أثرت في النظام العربي بعد الغزو العراقي للكويت، حيث أثر هذا الغزو تأثيرا سلبيا على الفكر ‏القومي في البلدان العربية عامة وفي الكويت بخاصة.
‏أما حصول قائمة الاتحاد الإسلامي والقائمة الإسلامية على 1.5‏% و 1.1% على التوالي، فيعود إلى طبيعة هاتين القائمتين: فهما حديثتا التشكيل في الجامعة، فالاتحاد الإسلامي يمثل جمعية إحياء التراث الإسلامي أو الجماعة السلفية في الكويت، أما القائمة الإسلامية الحرة فهي تمثل الشيعة وتشكيلاتهم ‏المختلفة في الكويت.
وعن توزيع العينة بحسب مستوى الدخل فقد تبين أن الغالبية منهم ‏ينتمون إلى الطبقة الوسطى في المجتمع الكويتي. وعند استعراض متغير عمل الأب، يتبين أن الذين يعمل آباؤهم موظفين في القطاع العام بلغت نسبهم 45.3% وهذا أمر متوقع لأن الجامعة جامعة حكومية، أذ وصلت نسبة الكويتيين العاملين في القطاع العام هذا العام إلى 94 ‏%، وأصبحت هذه الحقيقة تشكل ‏مصدر قلق للحكومة. ‏هذه الظاهرة منتشرة في دول الخليج العربية بسبب مفهوم الدولة الريعية.  

المعرفة والاهتمامات السياسية
‏اشتمل الجزء الثاني من الاستبانة على 35 فقرة خصصت 15 منها لقياس مدى معرفة أفراد العينة ببعض المعلومات التي يستدل منها على وعيهم واهتماماتهم بالأمور السياسية، حيث يتبين منها أن أفراد العينة يصنفون أنفسهم بشكل عام على أنهم مهتمون ولديهم علم واطلاع بالقضايا والأمور السياسية حيث أفاد ما نسبته 73% بأن لديهم اهتماما بالقضايا والأمور السياسية، وأفاد ما نسبته 65.5% بأنهم على علم واطلاع بالأمور السياسية. ولعل اللافت للنظر أنه عند سؤالهم عن الترجمة العملية لهذا الاهتمام من حيث متابعتهم للندوات ومشاركتهم في عضوية الاتخادات والجمعيات الجامعية ونشاطاتها، أفاد ما نسبته 41.8% منهم بأنهم يتابعون مثل تلك الأنشطة. وفي مجال الاهتمام بالقضايا العربية وبخاصة القضية الفلسطينية تبين أنها تشكل محورا مهما من اهتمامات الطلبة – 64% من العينة.
أما في مجال المعرفة ببعض المسائل السياسية على المستوى المحلي وضحت النتائج المتعلقة ببعض المعلومات الأساسية عن الحياة السياسية في الكويت أن استجابات الطلبة لا تعكس مستوى مرتفعا من المعرفة. فهناك نحو 43% من أفراد العينة لا يعرفون ولا يدرون كم هي المدة الزمنية لمجلس الأمة الكويتي، ونسبة أكثر من ذلك تبلغ نحو 56% لا يعرفون متى تبدأ الدورة العادية السنوية للمجلس.

الأفكار والمواقف السياسية
تشيرالنتائج  إلى أن مواقف الطلبة من العروبة إيجابية جدا، حيث أشار ما نسبته 68.6%‏أنهم يساندون الحقوق العربية أينما كانت، واتضح كذلك أن هناك ما ‏نسبته77.4 ‏% من الطلبة يرون أن الوحدة العربية ضرورة من ضرورات مواجهة ‏التحديات.
أما عن توجهات أفراد العينة حول الإيمان بالديموقراطية واعتبارها من ضرورات التقدم والازدهار أفاد ما نسبته  76.5% موافقتهم على ذلك، وكان المؤيدون لتطبيق الشريعة الإسلامية باعتبارها أساس تقدم المجتمع وازدهاره أقل بقليل من النسبة المتعلقة بالديموقراطية حيث بلغت 72.3 ‏%. فهذا التعارض يمكن وصفه بأن الدين وتأثيراته مازالت قوية جدأ وتؤثر في حياة الناس ومتجذرة في منظومة القيم العامة، ويبدو أن تطبيق الديمقراطية فيما لا يتعارض مع الثوابت والمرتكزات الدينية أمر يفسر هذه الحالة.
وعندما طلب من أفراد العينة تصنيف أنفسهم متدينين ملتزمين أو ليبراليين يحترمون النظام القائم على الحرية الفردية، كانت نسبة أولئك الذين  يعتبرون أنفسهم متدينين نحو 51%، في حين كانت نسبة الذين يصنفون أنفسهم ليبراليين 47%. وعن موقف أفراد العينة من القبلية السياسية وأثرها في ‏الديمقراطية أفاد ما نسبته 60.4% بأنهم يعتقدون أنها عقبة أمام تعميق الديمقراطية.

* علي أسعد وطفة، نسق الانتماء الاجتماعي وأولوياته في المجتمع الكويتي المعاصر: مقاربة سوسيولوجية في جدل الاتنماءات الاجتماعية واتجاهاتها، مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، العدد 180، يناير 2003،جامعة  الكويت

[1]‏ المعهد العربي للتخطيط في القاهرة، تعليم الأمة العربية للتخطيط في القرن العشرين، تحرير سعد الدين إبراهيم، القاهرة 8 ‏- 30‏ إبريل 1992 ‏، ص 37
[2]  عبد المنعم المشاط "التعليم والتنمية السياسية" مستقبل التربية العربية، القاهرة، ‏المجلد الأول، العدد الثاني، 1995، ص17.
[3]زكي نجب محمود، قيم من التراث، دار الشروق، بيروت، 1990، ص391.
[4]خلدون حسن النقيب، المشكل التربوي والثورة الصامتة، الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية، العدد 19، يوليو 1993، ص13-15.
[5]مصطفى عمر التير، المشكلات الاجتماعية: تحديد إطار عام، الفكر العربي، عدد19، كانون الثاني 1981، صص7-24
* د.مصطفى حجازي، الشباب الخليجي والمستقبل، دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 2008، صص94-110
 [6] انظر: وقفي حامد أبو علي (2003). الشباب وأزمة الهوية: في ظل التغيرات والتحديات ‏المعاصرة. جائزة الشيخ خليفة بن سلمان: مركز معلومات المرأة والطفل، البحرين.
[7] انظر خصوصا كل من:  
* وفقي حامد أبو علي (2003). الشباب وأزمة الهوية: في ظل التغيرات والتحديات المعاصرة. مركز معلومات المرأة والطفل.البحرين. وخصوصا الصفحات 67-87 حيث عرضت نتائج الاستبيان المطبق عيّنة من 300 شابّ وشابة كويتيين ووافدين ما بين سن 15 و25 سنة من .الثانويين والجامعيين والمتخرجين.
* بابكر عبد القادر في دراسة الهامة عن الشباب السعودي.
*غادة مصطفى أحمد اسماعيل(2004). هوية الشباب في عصر العولمة. مركز معلومات المرأة والطفل. البحرين.
*باقر النجّار وخلدون النقيب (2006) استطلاع اتجاهات الشباب في دول مجلس التعاون. منتدى التنمية: .البحرين.
* د.مصطفى حجازي، الشباب الخليجي والمستقبل، دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 2008، صص35-45
[8] انظر: د.مصطفى حجازي (2001). علم النفس والعولملا. بيروت: شركة المطبوعات للنشر والتوزيع.
* د.مصطفى حجازي، الشباب الخليجي والمستقبل، دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 2008، صص49-79
* د.مصطفى حجازي، الشباب الخليجي والمستقبل، دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 2008، صص95-110
[9]انظ أعمال محمد عابد الجابري، بهذا الخصوص ودراساته عن ابن خلدون، وعن نقد العقل ‏العربي الديني والسياسي والأخلاقي، وكلها من نشر مركز درامات الوحدة العربية. بيروت.
[10]انظر محمد عابد الجابري (2001). العقل الأخلاقي العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
* علي أسعد وطفة، نسق الانتماء الاجتماعي وأولوياته في المجتمع الكويتي المعاصر: مقاربة سوسيولوجية في جدل الاتنماءات الاجتماعية واتجاهاتها، مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، العدد 180، يناير 2003،جامعة  الكويت
[11] هشام شرابي، البنية البطراركية في المجتمع العربي المعاصر، ص 140.
12A.PRISO, Tribalisme et probleme national en Afrique noire: le cas du Kamerun. Contribution a l’etude de la question des nationalites et du probleme regional, L’Harmattan, Paris, 1989.
[13]أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000، ص 82‏.
[14]  ناصيف نصار، نحو مجتمع جديد، مقدمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي، دار النهار، بيروت، 1970 ‏، ص424‏. ‏
[15]    أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، مرجع سابق، ص81.
* د.شملان يوسف العيس، أ.د.أمين عواد المشابقة، د.مازن غرايبة. الاتجاهات السياسية لطلبة جامعة الكويت: دراسة ميدانية. مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، العدد 118، يوليو 2005، جامعة  الكويت

 


Comments

12/30/2011 11:49

THX for info

Reply

Many thanks for data

Reply
03/25/2012 09:48

nice post

Reply
05/31/2012 13:46

good post

Reply
09/25/2012 05:45

nice post

Reply



Leave a Reply